ترامب .. بهلوان واشنطن
منذ اللحظة التي اعتلى فيها دونالد ترامب سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، تكون لديّ انطباع راسخ بأن الشعب الأمريكي يجب أن يتحمل مسؤولية تصحيح المسار بعزل هذا الرئيس، قبل أن يجد العالم نفسه مضطرًّا إلى التعامل مع عزلة أمريكية متزايدة عن المجتمع الدولي.
لقد أظهر ترامب، منذ الأيام الأولى، خلطًا واضحًا بين أساليب إدارة الأعمال الترفيهية كنوادي القمار، التي خبرها عن قرب، وبين فنون إدارة العلاقات الدولية التي تتطلب الحكمة، والدراية العميقة بالتاريخ، والتوازن الدقيق في التعامل مع الشعوب والدول.
في سابقة خطيرة، أعلن ترامب قبل توليه منصبه عزمه على عدم احترام الاتفاقية التي وقعها الرئيس الأسبق جيمي كارتر، بشأن نقل سيادة قناة بنما إلى الحكومة البنمية، في خرق واضح لمبادئ القانون الدولي، وللأعراف الدبلوماسية التي رسختها الولايات المتحدة ذاتها عبر العقود. هذا التوجه لا يُعدّ فقط إخلالًا بالالتزامات الدولية؛ بل يضرب مصداقية النظام السياسي الأمريكي، الذي لطالما كان يعتبر احترام الاتفاقات ركيزة أساسية في سياساته الخارجية.
وعندما تحدث ترامب عن قناة السويس، كشف حديثه عن قصور معرفي واضح فيما يتعلق بالوضع القانوني والتاريخي لهذه القناة الحيوية. فمشروع حفر قناة السويس الذي بدأ عام 1859 واكتمل في 1869، تم بجهود عشرات الآلاف من العمال المصريين الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لهذا الإنجاز العظيم، وبتمويل مصري بالأساس.
وكانت القناة منذ بدايتها مشروعًا مصريًّا سياديًّا، رغم محاولات القوى الاستعمارية السيطرة عليها لاحقًا.
جدير بالذكر أن أزمة السويس عام 1956 جاءت إثر قرار الزعيم المصري جمال عبد الناصر بتأميم القناة، بعد أن كانت تحت إدارة شركة قناة السويس التي كانت تخضع لمصالح بريطانية وفرنسية.
وقد شكّل العدوان الثلاثي الذي شنته بريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل على مصر محطة فارقة في التاريخ الحديث؛ إذ مثّل بداية النهاية للإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط، وأسهم في إعادة تشكيل النظام الدولي؛ بما منح دول العالم الثالث صوتًا أقوى في المنتديات الدولية.
من هنا، فإن تصريحات متسرعة أو غير مدروسة بشأن قناة السويس، أو مقارنات سطحية تنم عن جهل بتاريخها وقيمتها، تُظهر قصر نظر سياسي لا يليق برئيس لدولة كبرى.
إن الأداء الذي يظهره الرئيس ترامب على الساحة الدولية يوحي بالافتقار إلى الدراسة المتأنية، والاعتماد المفرط على الاستعراض الإعلامي بدلًا من البناء الدبلوماسي المدروس. وهذه سمات لا تساعد على تعزيز دور أمريكا القيادي في العالم، بل تفتح المجال أمام مزيد من التراجع وفقدان الثقة.
ختامًا، ربما يكون من المفيد للرئيس ترامب أن يطالع مذكرات رئيس الوزراء البريطاني الأسبق أنطوني إيدن، الذي قاد بريطانيا إلى واحدة من أكبر إخفاقاتها في القرن العشرين خلال أزمة السويس. ففي قراءة التاريخ دروس، لمن أراد أن يتفادى تكرار المآسي.
-------------------------
بقلم: معصوم مرزوق
* مساعد وزير الخارجية الأسبق
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية
صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى
تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...
حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة
السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...
مهام البناء على المتاح
من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري