الخميس، 05 نوفمبر 2026 القاهرة 18.6°C
رئيس التحرير مجدي شندي
بحبر الروح | الرياضة تكشف سَوْآت السياسة

بحبر الروح | الرياضة تكشف سَوْآت السياسة

لم أكُن من مُشجعي كُرة القدم أو مُتابعيها، لكنني أجد في تشجيع الفريق القومي حالة خاصة تستنفر داخلي كل لحظات الوطنية، وكأنني جندي على جبهة القتال يدافع عن أرضه وعلم بلاده. يالها من فرصة تُحاكي داخلي حلمًا قديمً! لكنني اعترف بأن قدرتي على المتابعة لم تكن أفضل شىء. راودتني غيرة عندما لم أتمكن من النوم بسبب ضحيج التشجيع وكل أفراد المنزل يتابعون مباريات المنتخب في ساعات الفجر الأولى أمام  فريقي "نيوزلندا" و "إيران"، قائلة لنفسي: "ما هذا الهوس؟". ولكن لا عجب. إنها الساحرة المستديرة ولها مُريدوها، فشعرت أنني أفلت شيئًا هامًا وعليّ اللحاق به. وجدت نفسي أتابع مباراة المنتخب والوقت الإضافي وركلات الترجيح أمام فريق استراليا، واستحوذت علىّ لحظات حسم المصير والترقب وحبس الأنفاس في الدقائق الأخيرة. كانت الهتافات في الداخل والخارج، كلما أوشكنا على الفوز، تذيب طبقات عدم الشغف المتراكمة على روحي وتجعلني أتهلل كطفلة تنتظر الإثابة. لقد استوعب ماذا تفعله الكرة بمتابعيها. إنها تخطِفك بعيدًا، وتستحضر داخلك طاقات غافية. ثم تعود بك طفلاً لا يعبأ إلا بلحظات السعادة الآنية. 

وجاءت ساعة الفصل مع مباراة الأرجنتين التي جعلتني أطلِع على فنيات اللعبة التي لا أفهم عنها شيئاً، بيد أنها كانت شارحة حتي لـ "جُهلاء" اللعبة من فرط إزدواجية التحكيم وجنوحه وتحيزه المبالغ فيه. في بداية المباراة سادت حالة من الانتشاء بعد تسجيل هدفنا الاول في شِباك الأرجنتين، إذ ارتسمت على ملامح "ميسي" علامات الصدمة والغطرسة وكأنه يقول لنفسه: "من هؤلاء؟".. "وكيف يحدث ذلك؟". ثم زادتني المباراة بيتًا من الشِعر، عندما قام "مصطفى شوبير" بصد ضربة جزاء "ميسي" التي توهم الأخير أنها ستعيد المباراة إلى نصابها. هنا يتهاوى بيت الرمال. فمهما كان اللاعب مخضرمًا وواثقا من نفسه، لا يزيده الغرور إلا شتات التفكير، خاصة وأنه امتلأ بالاستخفاف بقدرات الفريق المصري وإصرار "شوبير" الصغير على حماية مرماه كمن يدافع عن أرضه ضد اختراق العدو.  

ثم تزداد سخونة المباراة، عندما سدد "زيكو" هدفًا احترافيًا، وتعالت صيحات النصر على الأرائك وبين جنابات المقاهي بمصاحبة تهليلات السيارات العابرة في الطرقات. يكاد الحلم أن يوشك على الاكتمال، بينما لا يَحتسِب "فرنسوا ليتكسيه"، الحَكَم الفرنسي المُتعجرف، الهدف المصري بقرار يفتقر إلى المهنية. ولكن الحسابات الألهية مختلفة. سدد "زيكو" بعدها هدفًا حاسمًا لا يقبل التشكيك. وتنسدل دقائق نهاية الشوط الأول بستائر النصر واسترداد الحقوق والتحليق مع نشوة الصعود. ولكن كان لابد ألا ينتهي السيناريو هكذا في مونديال مُسيس يعج بالثغرات والاستثناءات وتفوح منه عوادم العنصرية، التي دلل عليها "حسام حسن" معترضًا على سلوك "ليتكسيه" على الملأ.  

يتمادى الحَكَم الفرنسي في ممارسة سلطة سادية داخل الملعب وينهال بالانذارات على الفريق المصري، ويغض الطرف عن كل الفرص المستحقة لنا بحكم قانون اللعبة. بل في المقابل، يتحيز بفجاجة للفريق الأرجنتيني وكأنها مؤامرة مًحاكَة بخسة حتى تفوز الأرجنتين عنوة مُسدِدة أهدافها الثلاث المتتالية جراء تكسير عظام الفريق المصري بتواطؤ ملحوظ.. ليس مَسموحًا أن تكتمل المباراة على غرار الشوط الأول، وإلا نزلت اللعنة على الفيفا. 

لم يكن الشوط الثاني من المباراة سوى دليل دامغ على أصابع السياسة التي تلاعبت بنزاهة الرياضة، فجردتها من أهم سماتها وهى شرف الفوز وأخلاقيات الخسارة والانحناء للأداء المتميز. تحول الملعب إلى ساحة لممارسة "بلطجة سياسية" من العيار الثقيل في محاولة إضفاء شرعية واهية على تمثيلية الفوز الأرجنتيني. ورغم زخّات الدمع وشهقات الوجع جراء الظًلم البين، كان فريقنا المصري يزهو بقوته واحترافيته التي اضطرت الخصم لفقد أعصابه واللجوء إلى الأبواب الخلفية للحفاظ على فرصة صعود أتمنى ألا تصل بهم إلا إلى نفق الخسارة المُستحقّة. كان منتخبنا المصري بمنزلة المنتصر الحقيقي الذي حزم حقائبه بشرف رياضي مُترفِع وانتصار أخلاقي براق. لقد فرّغت هذه المباراة، تحديدًا، الرياضة من حيادها وخصوصياتها وأثبتت أن السياسة سددت هدفًا رخيصًا في مرمى إحدى أدوات القوة الناعمة النافذة لدى الشعوب. لكن مصر اعتادت الوقوف بشموخ والتغريد خارج السِرب والثبات على الموقف وكفانا أننا لسنا ضمن القطيع. تحية إعزاز وتقدير لمنتخبنا القومي وجهازه الفني. كنتم رجالاً.. كنتم أبطالاً.
---------------------------
بقلم: 
شيرين ماهر

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:00
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
18.6°C
توقعات الساعات القادمة
18.6°C
18.3°C
18.3°C
18.2°C
18.4°C
19.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي

"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...

مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة

نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...

120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب

كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...

وسط البلد الباهر!

وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,114ج.م
عيار 21
6,225ج.م
عيار 18
5,336ج.م
الجنيه الذهب
49,800ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...