الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 25.8°C
رئيس التحرير مجدي شندي

بحبر الروح| قبسٌ من روح الله

تجتاحنا لحظات من العصف الذهنى، تتدافع خلالها إلى رؤوسنا بعض الأسئلة، التى تبدو إجاباتها بديهية، لكنها تكشف حجم المفارقة التى تنطوى عليها، فعلى الرغم من بساطتها، إلا أننا قد نتوقف أمامها بلا حراك، ونعجز عن اقتفاء أثرها، فإذا بتلك الدهشة الوليدة تتشكل داخلنا، وتبدأ معها جولة من الصمت الوقور، استغراقاً فى البحث عن إجابات حقيقية، تُبدِد غيوم الارتباك المباغت وتَفطم صيحات الحيرة غير المتوقعة.

من هنا، وعلى جسور التامُل، ندرك كم يتوجب علينا الفرار من محيط المعطيات المتاحة ونظرية المقدمات والنتائج، فهناك تساؤلات تهز عرش المُسلَمات، فإذ بنا نتحسس دهاليز الاستغراق والإبحار فى زواياها، فعلينا آلا نتورط فى الاكتفاء بإجابات هلامية شاسعة، تُدخِلنا دائرة الإيهام بامتلاك اليقين، فلا ملاذ يروى شغف التساؤل سوى الارتجال اللحظى فى بهو التأمل، حتى تولد خيوط الحقيقة وتتجلى اللحظات الكاشفة !!

كما تظل - فى رأيي - الإجابات الجامعة المانعة بلغة المنطق "أمراً" مثيراً للسخرية والرثاء، فليس هناك ما هو نموذجى داخل "ساحات" التحليق، وإنما ترتبط أفكارنا المُتداعية بحجم التجربة، وكثيراً ما نحتاج إلى مناظرتها وتفنيدها، وصولاً إلى مُقاربة أوجه اختلافها، وعادةً ما تتعلق تساؤلاتنا الفضفاضة بإشكاليات روحية ومعنوية أكثر منها مادية .

هنا تتجلى قيمة كسر التابوهات والتفكير فيما وراء المتاح، بحيث تتولد حالة من العصف الوجدانى، نتبنى خلالها رؤى أكثر عمقاً، لنرى التفاصيل من حولنا بمنظور جديد، وربما نجحنا للمرة الأولى فى الوصول إلى منعطفات شعورية لم نَرتدها من قبل، وهى الغاية المُبتغاه من جلسات العصف الوجدانى والتأملى - إن جاز لى توصيفها - فهى جلسات استشفاء روحى وتنوير حسى وسط جمود مفردات الحياة ، كأحد وسائل الإلتفاف على منعصاتها وضرباتها التى قد تهز الثقة فى كثير من جمالياتها وأركانها.

لذا اسمحوا لى أن اخوض معكم أولى جولات التنظير التأملى، ثم دعونا نتحاور فى صمت، مُتلمسِين إجابات داخلية، تنبع من أعماقنا، وتتولد تحت مجهر التحديق، فإذا بها تستقر وتطفو على سطح قناعاتنا، وتُشكِل بالتدريج عمقاً معنوياً جديداً يترسب به اليقين..  لنبدأ معاً جولتنا الأولى ..!!

تُرى ... ماهى السعادة ؟؟ كيف نصنعها ؟؟ هل هى منحة وعَطية أم أجر وجزاء ؟؟ أيمكننا استدراجها إلى منعطفات الحياة  أم إنها عصية تأتينا بإرادتها وليس برغباتنا ؟؟ أيمكننا اقتناءها وحراستها داخل قنينة الروح، فنغويها بالانتظار وعدم المغادرة، أم إنها طليقة لن تقبل الأسر حتى وإن كانت مُنعَمة بين أشياءنا ؟؟

هكذا تداعت على رأسى التساؤلات، حين ارتطمت عيناى بأحدى العبارات تقول :" (أنا على ما يرام، لكننى لست سعيداً ....!!) عن نفسى استوقفتنى العبارة لشدة تنافرها، فهى تدحض أركانها بشدة، وبعد أن استغرقت فى تشريحها، أدركت عدم وجود ضرورة أو إقتران شرطى بين استقرار نهر الحياة وديمومة السعادة أو حتى إطلالتها علينا من شُرفاتها الماسية، كما أنه لا يوجد ترتيب منطقى يجعل أحدهما سبباً والأخر نتيجة، وليس هناك تتابع منطقى يهدينا السبيل إلى ذلك القبس الألهى المدعو "سعادة" الذى يشرق على حياتنا من منفذ خاص جداً وغامض جداً.

فى تلك اللحظة أطلت من رأسى الإجابات تخبرنى بأن السعادة مجرد (عابر سبيل)، لا يمكننا انتظاره أو التكهن بموعد مروره، أو حتى الاستعداد لاستقباله، وكأنه النسيم الذى يغمر الغصون بمواقيت إلهية، فيبتهج الكون بمروره الخاطف، الذى يُحسِن ترك الأثر.. فالسعادة تمتلك بوصلة شديدة الحساسية، ترشدها إلى الأبواب الصحيحة، التى تطرقها فى اطمئنان وثقة، فلا وقت لديها للمتلكئين والمتخبطين، الذين يُماطِلون فى اقتناصها من الدنيا، كما أنها تهوى المغامرين الذين لا تنفذ حيلهم فى التعاطى مع مُنغصات الحياة والالتفاف عليها، فكم تستهويها الإرادة وبريق الإصرار والعزائم الشاهقة التى لا تنحنى ولا تخور.

تحسبها من فرط دلالها، تلك الأميرة الحسناء، التى وجب الركض خلفها، فيزداد خيلائها وتتنامى نرجسيتها، لكنها فى حقيقة الأمر "سندريلا"، التى تظل قيد انتظار من يبحث عنها ويقطع سويعات الزمن لإيجادها ، ولا يرتضى سواها .

علينا أن نُغازِل السعادة .. نُطرِيها ونمتدحها.. نُغريها ونَغويها.. نشتهيها ونلتاع بها.. فكلما عشقناها، عشقتنا.. وكلما اقتربنا منها، صادقتنا.. وكلما ألِفناها، قررت آلا تهجرنا، فهى نبتة نَهِمَة، تستحوذ على أصحابها، ويروق لها مطالبتهم بالاهتمام الدائم والرعاية الجمة، كما يحلو لها التَمنُع على المتغافلين عن سحرها، فلا تعود سوى لمن اجتازوا اختباراتها وتأكدت مطابقتهم لمواصفات رضاها، فهى تأبى الذبول فى قارورات المياه الراكدة، وتبحث عن قطيعات السكر الذائبة فى قطرات ترويها بعناية، فإذا بها تُغدق ظلالاً لا تتبدد ولا تغرب، فكونوا من رُعاة السعادة، ولا تنتظروا سخائها دون حفظ قواعدها واعتناق أركانها، فهى تجتذب من يجتذبها وتهجر من يهجرها..!!

 

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:30
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
25.8°C
توقعات الساعات القادمة
25.8°C
25.0°C
24.1°C
23.6°C
22.7°C
21.7°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
مهام البناء على المتاح

من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...

الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها

شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,000ج.م
عيار 21
6,125ج.م
عيار 18
5,250ج.م
الجنيه الذهب
49,000ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...