انتصار روسيا واستسلام أمريكا فى أوكرانيا
لم ينته الجدال بعد حول "خطة دونالد ترامب" الجديدة لإيقاف حرب أوكرانيا ، التى وصفت نسختها الأصلية ـ المكونة من 28 بندا ـ بأنها "قائمة أمنيات روسية "، وأن رجال "الكرملين" وراء صياغة نقاطها من الألف إلى الياء ، ووصفتها موسكو بأنها تصلح أساسا لمناقشات تحقيق السلام ، فيما كان غضب ورعب الرئيس الأوكرانى "فلوديمير زيلينسكى" ظاهرا معلنا ، وتعرض لتهديدات معلنة من الرئيس الأمريكى ، الذى أعطى أوكرانيا مهلة أيام قصيرة لقبول عرضه ، ثم عاد فخفف لهجته قليلا ، ووافق على عقد اجتماعات ومناقشات حول الخطة فى "جنيف" مع أوكرانيا والأوروبيين ، نزلت ـ فيما هو معلن ـ بنقاط الخطة إلى 19 بندا ، تجاوب معها "زيلينسكى" ، وخففت قطعية النصوص الحاسمة حول رفض إنضمام أوكرانيا فى المستقبل إلى حلف شمال الأطلنطى "الناتو" ، وجعلتها أكثر مرونة وقابلية للالتفاف عليها ، كما أعادت صياغة نصوص خفض عديد الجيش الأوكرانى ، ووجود قوات غربية على ما يتبقى من أراضى أوكرانيا بعد نهاية الحرب ، وشددت على الضمانات الأمنية الغربية المتاحة لأوكرانيا ، واجتذاب واشنطن للمشاركة النشطة فيها ، وجعلها فى مقام المادة الخامسة من ميثاق "الناتو" ، وإلزام الأعضاء بالانخراط المبا شر فى الدفاع عن "أوكرانيا" إذا هاجمتها روسيا مجددا ، فى حين تبقت المسألة الأخطر بلا وضوح ، وهى تلك المتعلقة بالتنازل الرسمى النهائى قانونا عن أراضى أوكرانيا التى سيطرت روسيا عليها ، وفتحت الباب لإمكانية مطالبة أوكرانيا باستعادة أراضيها بالوسائل الدبلوماسية لا العسكرية ، وتركت هذه النقطة الحساسة لمباحثات تجرى فى البيت الأبيض بين "زيلينسكى" وترامب شخصيا ، قد تعيد التذكير باجتماع التأنيب والإهانة الشهير الذى تعرض له الرئيس الأوكرانى فى نهايات فبراير 2025 .
ورغم أن روسيا لم تعلق رسميا بعد على تعديلات "خطة ترامب" الجديدة ، إلا أن التعليقات العابرة التى صدرت عن مسئولين روس ، خصوصا تلك المنسوبة لوزير الخارجية "سيرجى لافروف" ، تكشف عن رفض ظاهر للتعديلات الأوروبية والأوكرانية على الخطة الأمريكية المواتية لروسيا ، فقد شدد "لافروف" على أولوية الاتفاق الذى جرى بين الرئيس الروسى "فلاديمير بوتين" مع الرئيس الأمريكى فى قمة "ألاسكا" فى 12 أغسطس 2025 ، التى أنهت كل كلام عن البدء بوقف إطلاق النار وتجميد خطوط القتال ، وركزت على صياغة اتفاق سلام نهائى قبل بحث وقف إطلاق النار ، ورغم التقلبات المعتادة فى تصريحات "ترامب" ، وإعلاناته المتكررة عن إحباطه من تلاعب الرئيس الروسى به ، وتراجعه عن تدابير عقد قمة جديدة مع "بوتين" ، كانت مقترحة فى العاصمة المجرية "بودابست" خلال أكتوبر 2025 ، فى حين بدت التحركات الروسية مدروسة بعناية ، فبعد ما سرى من أحاديث عن إلغاء أو تأجيل القمة الموعودة ، كان ما تيسر من تصريحات "يورى أوشاكوف" مساعد الرئيس الروسى ، يكشف أن تواصل موسكو وواشنطن لم ينقطع ، ثم كان ما كان من ظهور المسئول الاستثمارى الروسى "كيريل ديمترييف" فى واشنطن ، ولقاءاته المتواترة الغامضة مع المساعدين المقربين شخصيا من "ترامب" ، ومع "ستيف ويتكوف" و"جاريد كوشنير" بالذات ، وما تبين فيما بعد من مناقشة ورقة روسية غير رسمية حملها "ديمترييف" ، بدت كأساس لما أعلن أخيرا من "خطة ترامب" ذات الثمانية والعشرين نقطة ، التى سلمت لروسيا بأغلب مطالبها أو كلها تقريبا ، وبما فيها رفع العقوبات الغربية عنها ، وتضمنت ما يسميه "ترامب" تبادلا للأراضى ، وهو تعبير مخادع لفظيا ، فالأراضى التى يجرى تبادلها كلها أوكرانية ، ولا تعنى سوى التسليم لروسيا بكل الأراضى التى سيطرت عليها ، من شبه "جزيرة القرم" إلى مقاطعتى الدونباس (لوجانسك ودونيتسك) ، مع سحب القوات الأوكرانية من مدن تبقت بيدها غرب "دونيتسك" ، ودونما إشارة إلى ما سيطرت عليه روسيا فى مقاطعتى "زابوريجيا" و"خيرسون" شرق نهر "دنيبرو" ، وهو ما قد يعنى تجميد خطوط القتال الحالية .
وما جرى ويجرى بعد تسريب الخطة الأمريكية الجديدة والتعديلات عليها ، يظهر الفارق الشاسع بين دبلوماسية موسكو الاحترافية ، وبين دبلوماسية "ترامب" البهلوانية ، فالرئيس الأمريكى الحالى لا يقيم حسابا ولا وزنا لمؤسسات دولته الكبرى ، ولا يبدو على وفاق تام مع وزير خارجيته ومستشاره للأمن القومى "ماركو روبيو" ، وقد كان الأخير من صقور مواجهة روسيا ، وكان منافسا سابقا ضد "ترامب" فى الانتخابات التمهيدية داخل الحزب الجمهورى ، وحوله "ترامب" إلى رجل لا يعلم شيئا عن طبيعة العلاقات مع موسكو و"بوتين" ، وقد تعرض "روبيو" إلى حرج مهين ، بعد أن نقل عنه عدم ارتياح لما يفعله "ترامب" مع الروس فى اجتماع مع قادة فى الكونجرس ، واضطر "روبيو" إلى تكذيب ما نقل عنه حفظا لماء وجهه ، بعد أن التف عليه "ترامب" وقفز على دوره ، ولجأ إلى الاعتماد على أصفيائه من المقاولين والأصهار من طراز "ويتكوف" و"كوشنير" ، ثم تخطى "ترامب" دور وزير دفاعه أو وزير حربه "بيت هيجسيت" ، ولجأ إلى "دانيال دريسكول" سكرتير الجيش الأمريكى ، وأرسله للضغط على الرئيس الأوكرانى لإقناعه بقبول الخطة ، وإلى لقاء عسكريين روس فى "أبو ظبى" ، وربما يطيح "ترامب" بوزير البنتاجون ووزير الخارجية قريبا ، تماما كما فعل بنظرائهم زمن رئاسته الأولى ، ويبدو "ترامب" عازما على التوصل لاتفاق يرضى "بوتين" ، ولأسباب كثيرة لا يزال بعضها ملتبسا ، فيما لا يمانع "بوتين" فى ترك الفرصة للرئيس الأمريكى ، ولكن من دون تقديم أى تنازل عن أهدافه ومطامحه فى حرب أوكرانيا ، وهى لم تتغير أبدا منذ قرار شن العملية العسكرية الخاصة فى 24 فبراير 2022 ، وقرار البرلمان الروسى "الدوما" بضم المقاطعات الأوكرانية الأربع (لوجانسك ودونيتسك وزابوريجيا وخيرسون) إلى السيادة الروسية أواخر سبتمبر 2022 ، استنادا لما تسميه الدبلوماسية الروسية بحق تقرير المصير للناطقين باللغة الروسية فى أوكرانيا ، واستعادة أراضى روسيا المقتطعة منها بقرارات صدرت فى العهد السوفيتى ، وإسقاط الاعتراف الروسى السابق بحدود أوكرانيا فى "مذكرة بودابست" عام 1994 ، ووضع حد لزحف حلف "الناتو" إلى حدود روسيا ، ومنع "جورجيا" وبعدها أوكرانيا من الانضمام لعضوية "الناتو" ، حتى لو تطلب الأمر شن عمليات عسكرية محددة الأهداف ، كما جرى فى "جورجيا" عام 2008 ، وكما جرى ويجرى فى "أوكرانيا" عامى 2014 و 2022 .
وبعد نحو أربع سنوات من الحرب فى أوكرانيا ، التى واجهت فيها روسيا حلفا غربيا عالميا من 54 دولة ، وتعرضت القوات الروسية أحيانا لانتكاسات مفاجئة ، لكن الرئيس الروسى أدار مراحل الحرب بكفاءة وذكاء ، واستفاد كثيرا من تراث الحروب الروسية الوجودية الكبرى ، وفيها كان الروس ينهزمون وينهزمون ثم ينتصرون فى النهاية ، وهذا بالضبط ما فعله "بوتين" فى حرب أوكرانيا ، التى لم يضطر فيها إلى إعلان تعبئة عسكرية شاملة ولا حالة طوارئ عامة ، واستطاعت القيادة الروسية امتصاص أثر 24 ألف عقوبة غربية فرضت على اقتصادها متوسط الحجم دوليا ، ونسج "بوتين" شبكة تحالفات جديدة إلى شرق العالم وجنوبه ، وكون "حلف الشرق الجديد" استنادا إلى جدار قوة الصين العظمى ، وتقدمت قواته إلى أهدافها العسكرية بصبر وإصرار و"مفارم لحم" دموية مرعبة ، وتحولت بالتقدم العسكرى الروسى إلى حافة انتصار مطلق ، بدت معه خطة "ترامب" الأخيرة كأنها وثيقة تسليم نهائى بالانتصار الروسى ، وقد لا يتوقع أحد عاقل ، أن تقبل "موسكو" بأى تعديلات تخل بمعنى الانتصار الروسى العسكرى ، وهذا ما يدركه "ترامب" ، الذى يحرص على استرضاء "بوتين" ، بينما لا تبدو موسكو فى عجلة من أمرها ، وقد أعدت لاستمرار الحرب إلى سنوات مقبلات ، ونجحت فى استنزاف أمريكا والغرب الأوروبى مالا وسلاحا على الأراضى الأوكرانية ، وفى تفكيك عرى حلف واشنطن مع الحلفاء الأوروبيين المرهقين المنهكين ، ولن تقبل موسكو أبدا بأى وجود لقوات "الناتو" على أراضى أوكرانيا بعد الحرب ، فما من تفاوض جدى لا يستند إلى موازين السلاح على الأراضى أو يتخطاها .
وبالجملة ، فقد انتصرت روسيا عسكريا بيقين ، وتبدو قادرة على أن تكسب بالحرب ما تريده بالسياسة ، وهو ما يفسر معادلة موسكو الدقيقة السارية اليوم ، فالرئيس الروسى لا يريد أن يفوت ما قد تصح تسميته "فرصة ترامب" ، ولكن من دون التنازل عن أهدافه وتصوراته القومية الروسية ، ولا يضره أن يوقف الحرب قريبا ، إذا تحققت لروسيا كافة أهدافها المنظورة ، كما لا يضيره أن يتواصل القتال لشهور إضافية ، وقد تقدمت قواته خارج المقاطعات الأربع وشبه جزيرة القرم إلى مقاطعات "خاركيف" و"سومى" و"دنيبرو بيتروفسك" ، إضافة للقصف اليومى العنيف على "كييف" ومدن غرب أوكرانيا ومنشآت الطاقة وخطوط إمدادات الأسلحة الغربية ، وما من خيار آخر عند موسكو ، إلا أن يرفع الغرب فى أوكرانيا راية الاستسلام المعجل أو المؤجل .
-------------------------------
بقلم: عبدالحليم قنديل
[email protected]
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
هل يقبل محمد الباز التحدي؟
في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس
سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...
زهايمر!
هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...
حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية
صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري