الخميس، 05 نوفمبر 2026 القاهرة 24.8°C
رئيس التحرير مجدي شندي
انتباه | القواعد العسكرية في الخليج: من مظلة حماية إلى مصدر خطر

انتباه | القواعد العسكرية في الخليج: من مظلة حماية إلى مصدر خطر

حين دخلت القواعد العسكرية الأمريكية إلى الخليج قبل عقود، قدَّمت إلى المنطقة باعتبارها جزءًا من تصور كامل للأمن الإقليمي: حمايةٌ في مقابل استضافة. كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها؛ قوة عظمى تضع ثقلها العسكري في المنطقة لتأمين طرق الطاقة، وردع الخصوم الإقليميين، ومنح الدول الصغيرة مظلة أمنية توازن بها محدودية قدراتها العسكرية في بيئة جيوسياسية صعبة. 

هكذا استقرت "القواعد" في الوعي السياسي الخليجي بوصفها ضمانة ردع، لا مصدر تهديد.

غير أن المعادلات الاستراتيجية لا تبقى ثابتة طويلًا. 

التاريخ العسكري يعلمنا أن تغير أدوات الحرب يغير معها معنى القوة نفسها. ما كان يمثل عنصر تفوق في مرحلة معينة قد يتحول، في مرحلة أخرى، إلى نقطة ضعف غير متوقعة. وما كان يُعدّ ضمانة أمنية يتحول – تحت ضغط الوقائع – إلى عبء استراتيجي.

لقد قامت فكرة القواعد الأمريكية في الخليج على منطق تقليدي للحرب: جيوش نظامية، قواعد ثابتة، وقوة ردع تقليدية قادرة على منع الخصم من التفكير في الهجوم. غير أن طبيعة الحرب في المنطقة تغيّرت جذريًا. لم تعد المواجهة تعتمد فقط على الجيوش الثقيلة أو الحروب المباشرة، بل دخلت مرحلة جديدة عنوانها الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، والحروب غير المتكافئة. في هذه البيئة الجديدة لم تعد القواعد العسكرية مجرد أدوات ردع؛ بل أصبحت أهدافًا واضحة وحساسة.

وهنا تكمن المفارقة الحادة: القاعدة التي أُنشئت لحماية الدولة المضيفة تحولت إلى نقطة جذب للنيران. 

فحين تنشب مواجهة بين الولايات المتحدة وخصومها في المنطقة، تصبح القواعد الأمريكية هدفًا طبيعيًا في حسابات الرد. الصواريخ التي تُطلق نحو تلك القواعد لا تسقط في أرض بعيدة، بل داخل جغرافيا الدول التي استضافتها، لتصبح هذه الدول فجأة جزءًا من مسرح العمليات دون أن تدخل الحرب رسميًا. الصراع الذي كان يمكن أن يظل بعيدًا عن حدودها بات الآن فوق أراضيها. 

المشكلة لا تتوقف عند حدود الاستهداف العسكري. القواعد الأجنبية – بطبيعتها – ترتبط أولًا بقوة الدولة المالكة لها. منظومات الدفاع الجوي المنتشرة حولها صُممت لحماية المنشأة العسكرية والقوات الموجودة فيها، لا لتأمين المجال الجوي للدولة المضيفة بأكمله. الدولة المضيفة تجد نفسها في موقف غريب: قاعدة ضخمة فوق أراضيها، منظومات دفاع متطورة، ومع ذلك لا تملك ضمانة حقيقية بأن تلك القدرات ستتحول تلقائيًا إلى حماية شاملة لفضائها الوطني.

الأمر هنا لا يتعلق بنقص في التكنولوجيا، بل بطبيعة العلاقة نفسها. القاعدة ليست مؤسسة دفاع وطنية، بل امتداد للقدرة العسكرية الأمريكية، جزء من شبكة انتشار عالمي تخدم الاستراتيجية الكبرى لواشنطن قبل أن تكون جزءًا من منظومة الأمن المحلي للدول المضيفة.

من هنا يتسلل السؤال الاستراتيجي: هل ما زالت القواعد الأمريكية تؤدي وظيفتها الأصلية؟ أم أن تطور أدوات الحرب جعلها عنصرًا يزيد من احتمالات الخطر بدل أن يقللها؟

إن التحول الكبير في المنطقة لا يتعلق فقط بتكنولوجيا السلاح، بل بطبيعة الصراع ذاته. وقد أدركت قوى إقليمية عدة هذه الحقيقة مبكرًا، وفي مقدمتها إيران، التي وجدت نفسها لعقود أمام اختلال واضح في ميزان القوة التقليدي مع الولايات المتحدة وحليفتها في المنطقة. 

لم يكن من الممكن موازنة هذا الاختلال بجيش تقليدي أو بأساطيل بحرية تنافس الأسطول الأمريكي، ولذلك اتجهت الاستراتيجية الإيرانية إلى مسار مختلف: بناء قوة صاروخية واسعة، وتطوير شبكة من أدوات الردع غير المتكافئ القادرة على استهداف القواعد والمنشآت الحيوية في المنطقة.

في مثل هذه الاستراتيجية تصبح القواعد العسكرية الثابتة أهدافًا مثالية. فهي معروفة الموقع، عالية القيمة الرمزية والعسكرية، وقادرة ــ إذا أصيبت ــ على إرسال رسالة سياسية قبل أن تكون رسالة عسكرية.

وبهذا تتحول القواعد من عنصر ردع إلى عنصر استهداف. فبدل أن تمنع الحرب، قد تصبح جزءًا من حساباتها.

غير أن المشكلة الأعمق تكمن في أن الدول الخليجية نفسها لم تبنِ أمنها على معادلة واحدة فقط. فقد اعتمدت تاريخيًا على مزيج من الحماية الخارجية والتوازنات الإقليمية. ومع تغير البيئة الاستراتيجية، بدأت هذه المعادلة تتعرض لاختبار صعب. 

إذا كان الوجود العسكري الأمريكي لا يمنع الصواريخ من الوصول إلى المنطقة، وإذا كانت القواعد نفسها تدخل ضمن بنك الأهداف في أي مواجهة كبرى، فإن السؤال يصبح مشروعًا: هل ما زال النموذج الأمني القديم صالحًا؟

التحولات الجارية في النظام الدولي تضيف طبقة أخرى من التعقيد. فالولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى الشرق الأوسط كما في العقود السابقة؛ أولوياتها الاستراتيجية تحولت نحو آسيا والمحيط الهادئ، حيث المنافسة الكبرى مع الصين. وفي ظل هذا التحول، يبقى الوجود العسكري الأمريكي قائمًا، لكنه يركز على مسرح مختلف، بينما الدول المضيفة تتحمل تبعات الصراع في منطقة كانت تعتبرها مؤمنة.

هنا يتقاطع مساران: تغير طبيعة الحرب في المنطقة، وتغير أولويات القوة التي توفر المظلة الأمنية. عند هذه النقطة تظهر المفارقة الكبرى: الدول الخليجية التي بنت تصورها الأمني على فكرة الحماية الخارجية تجد نفسها أمام واقع أكثر تعقيدًا. القواعد ما زالت موجودة، والقدرة العسكرية الأمريكية ضخمة، لكن البيئة التي أعطت لهذه القواعد معناها الأصلي لم تعد كما كانت.

ليس معنى ذلك أن الوجود الأمريكي فقد قيمته بالكامل، ولا أن الدول قادرة بسهولة على الاستغناء عنه. فالبيئة الإقليمية ما زالت مليئة بالتوترات، والفراغ الأمني ليس خيارًا مريحًا. ما يتغير هو الإدراك: الأمن لا يمكن أن يبقى معتمدًا على صيغة واحدة ثابتة.

لقد دخل الخليج مرحلة جديدة من التفكير الاستراتيجي. مرحلة لا يُطرح فيها السؤال القديم: هل نحتاج إلى الحماية؟ بل السؤال الأكثر عمقًا: أي نوع من الحماية يوفر الأمن دون أن يحوّل الجغرافيا نفسها إلى هدف؟

وفي هذا السياق، تبدو القواعد العسكرية التي كانت رمزًا للحماية جزءًا من معادلة خطرة، حيث تختلط عناصر الردع بعناصر الخطر، ويتحول ما كان يُنظر إليه كدرع ثابت إلى عنصر يحتاج هو نفسه إلى إعادة نظر. 

وما نشهده اليوم على رقعة الصراع في الخليج وحوله يظهر أن القواعد التي جاءت لضمان الأمن وجدت نفسها، في لحظة تاريخية مختلفة، محل سؤال: كيف تحولت من مظلة حماية إلى مصدر خطر؟
-------------------------------
بقلم: محمد حماد


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة05:44
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
24.8°C
توقعات الساعات القادمة
24.8°C
26.0°C
26.9°C
26.9°C
26.6°C
26.0°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية

 كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...

مهام البناء على المتاح

من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...

في الجزء الثاني من حوار مطول.. مدحت الزاهد: قتل السياسة يفضي إلى انفجار

- الحياة السياسية، بعد أن تعرضت لحالة خنق، أشبه بعربة غرست فى الوحل.- مجتمع الصوت الواحد الذي يدار ب...

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,114ج.م
عيار 21
6,225ج.م
عيار 18
5,336ج.م
الجنيه الذهب
49,800ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...