الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 21.7°C
رئيس التحرير مجدي شندي

الوعي الجمعي للشعوب يصبح أسير التزييف | كيف تُصنع حملات التشويه الإعلامي؟

الوعي الجمعي للشعوب يصبح أسير التزييف | كيف تُصنع حملات التشويه الإعلامي؟
استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة06:14

نماذج لشخصيات تم تشويهها: الأميرة ديانا – ناصر – السادات – صدام حسين

لم يكن التشويه الإعلامي يومًا بالهجوم المباشر، دائمًا ما يأتي ناعمًا مغلفًا حتى يستقبله عقل المستقبل دون أي تشكيك، وفي عصرنا الرقمي، أصبح أسلوبًا ممنهجًا تُستخدم فيه منصات الإعلام العادية ووسائل التواصل الاجتماعي، لخلق روايات مضللة تُغيِّب الحقيقة وتُشوِّه السُمعة، وتُخضِع الرأي العام لرؤى محددة.

والتشويه الإعلامي هو نشر معلومات مضللة أو جزئية أو مُحرفة بهدف التأثير على صورة شخص أو دولة في الوعي الجمعي، وليس بالضرورة أن تكون دائمًا المعلومات كلها مغلوطة، لكنها تعتمد على طريقة “دسّ السُمْ في العسل” من خلال اختيار عناوين مثيرة، وتحريف محتوى حقيقي، وتسويق العاطفة بدل المنطق، تُنشر من خلال حسابات وهمية وبصورة متتالية وفي توقيت متقارب، مما يجعل الجمهور يُكوِّن رأيًا مبنيًا على انطباع أكثر من حقائق.

ولا يقتصر التشويه الإعلامي على الداخل فقط، بل تُظهر تجارب دولية حديثة كيف تحولت التكنولوجيا إلى أداة خطيرة لتزييف الوعي.

حين تتحول الدراسة الأكاديمية إلى موقف سياسي مسبق

وتزداد علامات الاستفهام حول الفيلم الوثائقي الذي نشرته قناة ARTE الأوروبية منتصف الشهر الجاري، تحت عنوان “عبد الفتاح السيسي.. فرعون مصر الجديد”، خاصة مع الدور الذي لعبه الباحث الفلسطيني يزيد صايغ في إعداده، ليس فقط بسبب مواقفه النقدية، بل بسبب طبيعة اهتمامه الإعلامي نفسه. فعلى الرغم من كونه فلسطينيًا، إلا أن الجزء الأكبر من إنتاجه البحثي والمقالاتي خلال السنوات الأخيرة لا ينصرف إلى الشأن الفلسطيني أو تعقيداته الداخلية، بقدر ما يتركّز بشكل لافت على مهاجمة الدولة المصرية ومؤسستها العسكرية.

هذا التركيز المكثف على مصر، وتكرار الخطاب ذاته في مقالات منشورة بمنابر غربية مختلفة، يكشف عن موقف عدائي واضح أكثر منه اهتمامًا بحثيًا محايدًا، فبدل تقديم قراءة متعددة الزوايا للواقع المصري، يُعاد اختزاله في سردية واحدة تُحمِّل الجيش مسؤولية كل الأزمات، ويتم تصدير هذه الرواية للجمهور الغربي محاولًا تغيير الصورة العالمية الايجابية التي تكونت في العقل الغربي بعد جهود مصر في وقف إطلاق النار في غزة. وهنا لا يصبح الفيلم الوثائقي عملًا استقصائيًا بقدر ما يتحول إلى امتداد لخطاب شخصي مُسبق، يُعاد إنتاجه بصيغة بصرية مؤثرة، لكن بمحتوى انتقائي.

أمثلة واقعية لحملات تشويه إعلامي دوليًا

في الفلبين، ظهر في عام 2024 فيديو مزيف لزعيم الدولة، يأمر فيه الرئيس القوات بالتصرف بطريقة غير صحيحة خلال أزمة بحرية في المنطقة، أكدت السلطات بعد انتشار الفيديو أنه مفبرك بالكامل ولا أساس له من الصحة.

أوكرانيا: كشفت أبحاث وتقارير حديثة عن حملات منظمة خلال النزاع بين أوكرانيا وروسيا، عن طريق نشر مئات الفيديوهات والصور المزيفة لإظهار الأحداث بطرق تخدم سردية بعينها، مثل اتهام طرف بارتكاب أفعال لم تحدث، أو إعادة استخدام صور قديمة للحروب كأنها حديثة.

أمثلة واقعية لحملات تشويه في مصر

تشويه جماعة الإخوان لدور مصر في حرب غزة، فمنذ اندلاع الحرب في غزة، واجهت مصر دورًا مركزيًا في إدارة معبر رفح وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، فضلًا عن جهودها الدبلوماسية للتوصل إلى وقف إطلاق النار ودعم القضية الفلسطينية على الساحة الدولية، لكن هذا الدور قُوبل بمحاولات ممنهجة لتشويه صورتها عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، خاصة من قِبل جماعة الإخوان وأنصارها في الخارج، الذين ينقلون صورة سلبية ومغلوطة عن موقف مصر تجاه القضية الفلسطينية.

وكان ذلك من خلال اتهام مصر بالتواطؤ مع إسرائيل في إبقاء الحصار على غزة ومنع دخول المساعدات الإنسانية، رغم الأدلة الرسمية التي تؤكد أن مصر كانت من أكبر الدول مساهمة في إدخال تلك المساعدات، وتنظيم احتجاجات أمام السفارات المصرية في الخارج مع رفع شعارات تُحمِّل القاهرة مسؤولية معاناة المدنيين في غزة، وذلك في إطار محاولات ممنهجة زعزعة الثقة الداخلية وتحويل الغضب الشعبي بعيدًا عن الاحتلال إلى الداخل المصري.

تشويه شخصيات تاريخية

الأميرة ديانا:

والتي تُعد من أشهر الأمثلة على التشويه الإعلامي غير المباشر، حيث لم يتم استهدافها باتهامات سياسية أو تاريخية، بل جرى تفكيك صورتها الإنسانية وتحويل حياتها الخاصة إلى مادة استهلاكية للإعلام.

فعلى مدار سنوات، لاحقتها الصحافة بالكاميرات والعناوين المثيرة، وقدمتها مرة في صورة ضحية، ومرة أخرى في صورة المرأة المتمردة أو غير المستقرة نفسيًا، وفقا لما يخدم نسب المشاهدة لا الحقيقة، ولم يتوقف هذا التشويه إلا بعد وفاتها المأساوية، حين أُعيد تقديمها فجأة كرمز عالمي للإنسانية والرحمة، مما يكشف كيف يمكن للإعلام أن يُعيد تشكيل صورة الشخص الواحد عدة مرات دون أي اعتبارات، في سبيل صناعة رواية جذابة للجمهور.

جمال عبد الناصر:

يُعد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، من أكثر الشخصيات التي أثارت جدلًا واسعًا في وسائل الإعلام سواء محليًا أو عالميًا، فقد كان مادة خصبة للتشويه والتحوير.

ففي بعض الدوائر على منصات التواصل الاجتماعي، يُقدم عبد الناصر في صورة زعيم فاشل اقتصاديًا أو سياسيًا، مُحمِّلينه مسؤولية المشاكل الاقتصادية لفترة السبعينات ما بعد حرب 1967، وإن كان هناك مؤيد ومعارض لهذه النظرية طبقًا للأحداث التي وقعت، إلا أن ذلك يُقدم بشكل مختزل أو بدون سياق تاريخي شامل، ما يجعلها تبدو كحقائق بدلًا من آراء نقدية تتطلب تحليلًا موضوعيًا دقيقًا.

محمد أنور السادات:

برغم أن الرئيس أنور السادات قاد مصر في حرب أكتوبر 1973 وانتصر على اسرائيل، إلا أنه بعد توقيعه اتفاقية كامب ديفيد واجه العديد من حملات التشويه في بعض الأعمال الإعلامية الخارجية، وصلت إلى وصفه بالفرعون في الفيلم الوثائقي الإيراني “Execution of a Pharaoh” (إعدام فرعون)، في إشارة إلى اغتياله بسبب خيانته وتوقيعه اتفاقية كامب ديفيد.

كذلك على الشبكات الاجتماعية تجد آراء تهاجم توقيع السادات لاتفاقية كامب ديفيد، وتحوله إلى رمز “تسليم القضايا العربية”، بدلًا من النظر إلى الاتفاقية من منظور سياسي كامل، مما يُعد تحريفًا لأحد أهم محطات الدولة المصرية في التاريخ الحديث.

صدام حسين: 

قدم الإعلام الغربي صدام حسين كتهديد عالمي من خلال التركيز على مزاعم أسلحة الدمار الشامل، بينما تم تجاهل تقارير وأدلة معاكسة، ما أتاح للرأي العام تكوين انطباع مبني على سردية واحدة.

وهكذا لم يعد التشويه مقتصرًا على الأفراد أو الدول، بل أصبح نمطًا متكررًا طال التاريخ نفسه، من تقديم شخصيات سياسية بوصفها “أبطالًا” أو “خونة” وفقًا للهوى السياسي السائد، إلى إعادة صياغة صور رموز إنسانية وإعلامية وفنية، وصولًا إلى تشويه أدوار دول كاملة في أزمات إقليمية معقدة، تُعاد كتابة الوقائع بشكل انتقائي يخدم سرديات بعينها.

ومع تكرار هذه الروايات عبر المنصات الرقمية، تتحول الانطباعات إلى قناعات، ويصح الوعي الجمعي أسيرًا لما يُقدم له، لا لما حدث فعليًا.
------------------------------
 تقرير - إيمان جمعة


تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
21.7°C
توقعات الساعات القادمة
21.7°C
21.0°C
20.4°C
19.8°C
19.3°C
19.0°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب

كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...

هل يقبل محمد الباز التحدي؟

في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...

حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه

السؤال:أشكركم على هذا الموقع‎.‎ ‏ سؤالي‎:‎‏ أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، ‏فقد مضت سنة على رسمي له، لك...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,988ج.م
عيار 21
6,114ج.م
عيار 18
5,241ج.م
الجنيه الذهب
48,912ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...