المُولد والحُمُص في بلاط صاحبة الجلالة
لم تكن الصحافة المصرية يومًا مهنة عادية، بل مثّلت - في فترات ازدهارها - أحد أهم مكونات المجال العام، ومنبرًا لتداول المعلومات، وساحة للنقاش بين السلطة والمجتمع. غير أن المشهد الحالي يعكس حالة من التراجع، يمكن تشبيهها بالمثل الشعبي المصري: «بعد المُولد مفيش حُمُص». فبعد انفضاض الزخم، تبدو “صاحبة الجلالة” مثقلة بالأعباء، في سياق لم يعد يمنحها الدور الذي اعتادت القيام به كشريك فاعل في المجال العام.
تراجع أوضاع الصحافة المصرية لا يمكن فهمه بمعزل عن مجموعة من العوامل المتداخلة. من بينها التحولات التي طرأت على تنظيم المجال الإعلامي، سواء على مستوى التشريعات أو أنماط الممارسة، وما صاحب ذلك من تراجع في تنوع الخطاب العام، وحدود أضيق للاجتهاد المهني داخل عدد من المؤسسات الصحفية. وفي مثل هذه البيئات، تواجه الصحافة تحديات حقيقية في الحفاظ على قدرتها على إنتاج محتوى مستقل وبناء علاقة ثقة مع جمهورها.
العامل الثاني يتمثل في الأوضاع الاقتصادية للمؤسسات الصحفية. فقد شهد القطاع خلال السنوات الماضية أزمات مالية متراكمة، أدت إلى إغلاق بعض الصحف، أو تقلص دور أخرى، وهو ما انعكس مباشرة على أوضاع العاملين فيها. فالضغوط الاقتصادية المستمرة تؤثر على قدرة المؤسسات على الاستثمار في المحتوى، والتدريب، والتحقيقات المتعمقة، كما تضع الصحفيين أمام أوضاع مهنية غير مستقرة، في ظل غياب ضمانات كافية تتعلق بالأجور أو الحماية الاجتماعية.
أما العامل الثالث، فيتعلق بالتغير في طبيعة الدور المهني للصحفي داخل عدد من المؤسسات. إذ تميل بعض السياسات التحريرية إلى تقليص هامش المبادرة الفردية، مقابل الالتزام الصارم بخطوط تحريرية محددة مسبقًا. ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى تراجع الإبداع المهني، وخروج بعض الكفاءات من المجال الصحفي، وهو ما ينعكس على جودة المحتوى واستمرارية التطوير.
في هذا السياق، يمكن ملاحظة أن السياسات الإعلامية للحكومة المصرية تركز بدرجة كبيرة على اعتبارات الاستقرار وتنظيم الخطاب العام، وهو توجه يراه بعض المراقبين ضروريًا، بينما يرى آخرون أنه يحتاج إلى قدر أكبر من التوازن بما يسمح بتوسيع مساحات النقاش المهني. فالإعلام الذي يشارك في شرح السياسات بعد صدورها يظل بحاجة أيضًا إلى دور استباقي في مناقشة القضايا العامة، بما يعزز الثقة المتبادلة مع الجمهور.
ورغم تعقيد المشهد، فإن تحسين أوضاع الصحافة المصرية يظل أمرًا ممكنًا من خلال حزمة من الإجراءات العملية. من بينها دعم التعددية في ملكية وسائل الإعلام، وتعزيز استقلال غرف التحرير ضمن الأطر القانونية القائمة، وتحسين الأوضاع الاقتصادية للصحفيين عبر سياسات أجور عادلة، وتأمين اجتماعي وصحي فعّال. كما أن الاستثمار في التدريب المهني، والصحافة الاستقصائية، والتحول الرقمي الجاد، يمثل ركيزة أساسية لأي عملية تطوير مستدامة.
فالصحافة لا يمكن أن تؤدي دورها دون بيئة مهنية مستقرة، توازن بين متطلبات المسؤولية الاجتماعية وحرية العمل الصحفي. ودون تحقيق هذا التوازن، سيظل المشهد أقرب إلى مولدٍ انفضّ، وغاب عنه الحُمُص.
-----------------------------
بقلم: إبراهيم خالد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى
رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد
هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...
الصبي والبلطجي!!
قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى
تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري