الجمعة، 06 نوفمبر 2026 القاهرة 18.4°C
رئيس التحرير مجدي شندي
المبني للمجهول !!

المبني للمجهول !!

هو مجهول بغير شك ، ولا يمكن تعريف غير المعرف ، وإن كان يمكن دائماً الإستنباط والإستدلال والحدس ، وهي وسائل – بطبيعتها – غير يقينية وافتراضية وقد تؤدي إلي استنتاجات خاطئة .. إلي هذا الحد يبدو الكلام – كما أظن – منطقياً ومفهوماً ...

المشكلة هي في المعلوم المجهل، الواضح وضوح الشمس والذي لا تراه العيون، وهو معلوم بالضرورة ولكن يتم تجهيله إما بالعمد أو بالتقية أو بالجهل ، فهو بالعمد يمكن الإعماء عنه تضليلاً ، أو تشويهاً ، أو جبراً وقهراً ، وهو بالتقية تجاهل محسوب لتفادي ما يلزمه المعلوم من سلوك أو الإمتناع عن سلوك ، وهو بالجهل لا يعد معلوماً في الأساس ، لدي من عميت أبصارهم وبصائرهم ، أو تضاءلت وانعدمت حظوظهم من حدود المعرفة الدنيا ...

أنت تجهل ما بعد الموت ، وبالتالي لا يمكن لأحد أن يعرفه تعريفاً جامعاً مانعاً ، ولكن يمكن من خلال النصوص المقدسة إستنباط بعض جوانبه ، وذلك بالطبع لا يمكن الإعتداد به بشكل علمي كتعريف ، فكل ما لا يمكن خضوعه لوسيلة أمبيريقية لا يمكن الإطمئنان إلي تعريفه المستند بشكل كامل إلي فرضيات نظرية يصعب أو يستحيل اختبارها ، فلم يعد أحد من الموت كي يحدثنا عنه ، ولم يصل العلم بعد إلي الوسائل التي تمكنه من ذلك ..

الفساد والتخلف وغيره من الظواهر المجتمعية ، معلوم بدرجات مختلفة لدي الكافة ، ولكنك تجد من يتعمد تجهيله بالحديث مثلاً عن الفساد في المطلق ، دون وضع الحروف فوق النقاط ، أو من يجهله بالتقية بحيث يسند المعلوم إلي مجهول ، كمن يشير إلي معاناة المجتمع من التخلف دون أن ينسب هذا التخلف إلي أسبابه ، وكأن التخلف صفة وراثية أو مرض لا يعرف أحد الفيروس المسبب له ، وهناك من يجهل هذا الفساد والتخلف بتشويه هذا المعلوم عن طريق إعتباره قضاءا ًإلهياً ينبغي التسليم به ، وعدم إرتكاب معصية بحث أسبابه وتداعياته ، ويتم تشويه المعلوم أيضاً بالحديث مثلاً عن إنتشار هذه الظواهر في العالم كله وأنها غير مختصة بهذا المجتمع علي وجه الخصوص ، وإذا فشلت كل وسائل التجهيل السابقة ، لمن له المصلحة في ذلك ، فأن أسلوب الجبر والقهر يبقي دائماً وسيلة إحتياطية جاهزة للإستخدام لنفي المعلوم ، ومن يدعي العلم معه ..

وفي الأغلب الأعم تجري عملية تجهيل المعلوم باستخدام التقية ، فهناك من يري الفساد والتخلف ولكنه يتحاشي مجرد الإشارة إليه حتي لا يتعرض إلي معلوم آخر لديه وهو القهر ، لذلك فهو يلجأ للرمز أو إسناد هذه الظواهر إلي المجهول ، كمن يعلم أن رجلاً بلطجياً في غرفة نومه يرقد فوق فراشه مع زوجته ، فيدعي أنه لا يسمع الأصوات الصادرة من حجرة النوم ، ويقنع الآخرين بأن زوجته خارج المنزل ، أو ينزع عن البلطجي سمة البلطجة ، أو يغادر المنزل فلا يري أو يسمع ، وهو في كل الأحوال يلعن الزنا والزناة ، ويدعو الله ليل نهار بأن يخرب بيوتهم ولا يقبل توبتهم ...

يعلمون الفتيات منذ نعومة أظافرهن إلا يفشين أسرار بيوتهن ، وأن يدارين علي الشمعة كي تضئ ، فإذا اشتكت واحدة من بربرية زوجها أو استعباده لها ، سارعوا بتجهيل ذلك المعلوم ، عمداً وتقية وجهلاً ، فعلي الزوجة طاعة زوجها ، وهي دائماً " أمينة " في الثلاثية الرائعة لنجيب محفوظ ، وهو " سي السيد " ، ثم أن مواجهة الزوج قد تؤدي إلي طلاق الفتاة وعودتها إلي منزل أسرتها ، لذلك تتقي الأسرة هذه النتيجة بالإنصياع إلي الوسيلة الأسهل وهو تجهيل المعلوم تقية ، فالزوج لم يكن علي هذه الدرجة من القسوة ، أو أن الفتاة دلوعة لا يعتد بشكواها ، وفي الأغلب الأعم والأغم لا تنصت الأسرة للفتاة وتأمرها بالعودة علي الفور إلي بيت زوجها وسيدها طائعة مقهورة ، رغم أنهم في قرارة أنفسهم يعلمون ، ولكنه ذلك النوع من المعلوم الذي يضيفونه إلي المجهول ...

كان العالم كله يعلم توجهات هتلر التوسعية والوحشية منذ بداية ظهوره في الساحة السياسية الألمانية ، بل أنه لم يخف شيئاً ولم يترك شيئاً للمصادفة فقد وضع في كتابه الشهير " كفاحي " كل خطته بتفصيل واضح ، ومع ذلك هرول إليه قادة أوروبا متهالكين ليعقدوا معه صلح ميونيخ ، بل أنهم أغمضوا عيونهم ، عن معلوم إلتهامه للنمسا وتشيكوسلوفاكيا ، عمداً وتقية ، ودفعت البشرية كلها ثمناً باهظاً نتيجة لذلك التجهيل لمعلوم واضح وضوح الشمس منذ اللحظة الأولي ، ولو تمت مواجهته مبكراً لربما تغير وجه التاريخ ...

وقد لا يكفي هذا المقال أو حتي كتاب لسرد أمثلة تؤكد هذه الحقيقة ، التي هي معلوم آخر لدي الكافة يتم تجهيلها ، ولعل العديد من السادة القراء يتذكرون الأخ دونالد رامسفيلد وزير الدفاع في إدارة بوش الصغير ، حين قال بحكمة : " هناك أشياء نعرف أننا نعرفها ، وأشياء نعرف أننا لا نعرفها ، وأشياء لا نعرف أننا نعرف أننا نعرفها ، وأشياء نعرفها ولكن لا نعرف أننا نعرفها" ... أنه استخدام جيد للبيان كوسيلة لتجهيل المعلوم ، فلا شك أن ما حدث في سجن " أبو غريب" مثلاً معروف ومعرف ومحدد بشكل نافي للجهل أو للتجهيل ، ولكن الإدارة الأمريكية عمدت أولاً إلي نفي ذلك ، ثم ثانياً إلي إسناد ذلك إلي سلوك غير مقبول من حفنة بسيطة من الجنود ، ثم خرج علينا السيد رامسفيلد بتلك الشبكة العنكبوتية من تعريف المعرفة ، بينما المعلوم الذي تم تجهيله بشكل منهجي هو أن تلك كانت سياسة الإدارة سواء في أبو غريب أو في جوانتانمو أو غيرها ...

الجبر والقهر يدفع الناس للتقية ، وآية التقية هي التمويه علي المعلوم ، وأسلوبه المضمون هو استخدام المبني للمجهول ، فلقد مات القتيل وتعفنت الجثة ولكن القاتل " المعلوم " مجهول ، لقد خرب الزرع والضرع وفسدت الذمم ، ولكن ذلك ليس منسوباً لأسماء الفاعلين ، وإنما لذلك المجهول المعلوم ، أو المعلوم الذي يتم تجهيله ...

والمعلوم قطعاً من التاريخ البشري يؤكد بما لا يدع مجال للشك أن المجتمعات تبدأ أول خطواتها في التقدم حين تكسر قشرة الجهل والتجهيل عن المعلوم ، حين تعرف أنها تمتلك إرادة الفعل والتغيير ، إلا أنه حتي هذا المعلوم التاريخي يتم التمويه عليه عمداً ، بالتضليل والتشويه أو بالجبر والقهر من أصحاب المصلحة في ذلك ، أو بالتقية من أولئك الذين يغضون الطرف عن تزوير وتشويه هذا المعلوم التاريخي الثابت ، ويكون الجاهلون ضحية الطرفين ...

لقد كان أهل مكة من المشركين يتوهمون أنهم يعبدون الله ، أي أنهم كانوا يعلمون بوجوده استنباطاً واستدلالاً يصل إلي حد اليقين ، ولكنهم مع ذلك تصدوا بقسوة وعنف مع ذلك المعلوم ، وآثروا التجهيل عليه ، وقد واجههم القرآن والرسول وأصحابه بالإصرار علي إبراز هذا المعلوم والتأكيد عليه ، وليس باستخدام منهج التقية والبناء للمجهول ، لذلك انتصرت الرسالة المحمدية في النهاية ...

وربما يتساءل القارئ العزيز عن الهدف من كتابة هذا المقال ، وأتصور أن الإجابة لن تختلف عن إجابة رامسفيلد : " هناك أشياء نعرف أننا نعرفها ، وأشياء نعرف أننا لا نعرفها ، وأشياء لا نعرف أننا نعرف أننا نعرفها ، وأشياء نعرفها ولكن لا نعرف أننا نعرفها " ... مع إضافة قدر كبير من الإجابة للمبني للمجهول ...
-------------------------------
بقلم: معصوم مرزوق
* مساعد وزير الخارجية الأسبق

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة07:18
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
18.4°C
توقعات الساعات القادمة
18.4°C
17.7°C
17.1°C
16.6°C
16.3°C
16.1°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية

شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

حديث الإفك وكلاب السكك!

كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...

حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,074ج.م
عيار 21
6,190ج.م
عيار 18
5,306ج.م
الجنيه الذهب
49,520ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...