الجمعة، 06 نوفمبر 2026 القاهرة 19.7°C
رئيس التحرير مجدي شندي
الكلام الساكت والدولة البكماء

الكلام الساكت والدولة البكماء

(الحاكمُ يَضْرِبُ بالطَبْلَهْ .. وجميعُ وزارت الإعلام تَدُقُّ على ذاتِ الطبلَهْ .. وجميعُ وكالاتِ الأنباء تُضَخِّمُ إيقاعَ الطَبْلَهْ .. والصحفُ الكُبْرى والصُغْرَى تعمل أيضاً راقصةً في ملهى تملكهُ الدولَهْ .. لا يُوجَدُ صَوْتٌ في المُوسيقى أردأُ من صَوْت الدولَهْ ..  هل ثمّةَ قَهْرٌ في التاريخ كهذا القهرْ؟ الطَبْلةُ تخترقُ الأعصابَ .. فيا ربّي: ألْهِمْنَا الصبرْ.)- نزار قباني فى قصيدة "عزفٌ منفردٌ على الطبلة".

(الكلام الساكت) هو التعبير الذى أبدعه الأشقاء السودانيون فى الإشارة لذلك النوع من الكلام الذى لا معنى له .. تتحرك به الشفاه والألسنة لكنها فى الحقيقة لا تقول شيئاً .. وتخط به الأقلامُ آلاف المقالات الفارغة التى تملأ الصُحُف ولا تقرأُ  فيها شيئاً وكأنها كُتِبَت بالحبر السرى .. وتثرثر به ألسنة مذيعى البرامج وضيوفهم وتعلو أصواتهم على عشرات الفضائيات فى اللا موضوع وكأنك أمام مذيعٍ  واحدٍ مستنسخ له أشكالٌ متعددةٌ وصوتٌ واحدٌ هو صوت السكون .. انظر إلى الأبيات التالية:

الأرضُ أرضٌ والسماءُ سماءُ …. والماءُ ماءٌ والهواءُ هـواءُ

والبحرُ بحرٌ والجبالُ رواسخٌ …. والنورُ نورٌ والظلامُ عَـمَاءُ

والحَرُّ ضد البرد قولٌ صادقٌ .... والصيف صيفٌ والشتاءُ شتاءُ

كلُ الرجالِ على العمومِ مُذَّكَرٌ .... أما النساءُ فكُلُهُنَّ نساءُ

هل يمكن أن نُسَمِّى هذا الذى قاله ابن سودون شِعراً حتى لو التزم بقواعد العَرُوض؟ هو كلامٌ مرصوصٌ موزونٌ ومُقَفَّى لكنه بلا نبضٍ ولا يُضيف شيئاً .. وهو بالقطع ليس شعراً وإنما هو (كلامٌ ساكت) .. ألم تستشعر أنك تستمع لهذا الهراء وأنت تنتقل بالريموت بين عشرات القنوات المحلية؟! .. وقُلْ مثل ذلك عن الصحف والأعمال الفنية .. من الأمور الخادعات أن يشدو بهذا الهراء صوتٌ عذبٌ يتصنع المهنية .. لكن ما يفوق قدرتنا على الاحتمال أنه صار يأتينا بصوت الليمبى!.

يقول الكاتب الراحل مصطفى الحسينى فى مقالٍ  له (يتهدد المجتمعُ بالموت عندما يصبح الكلام الساكت لغة المثقفين .. عندما يستغرق المثقفون في التبرير والتبخير .. عندما يستسلمون لتلقي التوجيهات .. عندما يقبلون الالتزام "بالخط" ..  يتهدد الموت المجتمع عندما يكف المثقفون عن الاعتراض ..  الاعتراض هو شرارة الجدل).

رَحِمَ اللهُ مصطفى الحسينى الذى أثبتت التجارب  صحة ما قاله  .. ومن المؤسف أن إعلام الطبلة والتخلف العقلى قد نجح بطريقة (الزنِّ على الودان)  فى تشويه قِيَمٍ إنسانيةٍ بديهيةٍ لدى قطاعٍ كبيرٍ من المواطنين بعد وَصْمِ المنادين بها بالعمالة والخيانة والجيل الرابع والطابور الخامس ومجلس إدارة العالم إلى آخر هذه الترهات، حتى صارت حقوق الإنسان عند بعض العامة مُرادفاً للمؤامرة على الوطن، وصار احترامُ الدستور نوعاً من السذاجة، ثم استدار ليركّز سهامه على حرية التعبير مِنحة الله للإنسان، فما يكاد أحدٌ ينطق بها إلا ويُواجَه بالصرخة الأكلاشيه (عاوزينا نسقط زى العراق وسوريا وليبيا؟) وهى عبارةٌ تتجاوز الكذب البواح إلى امتهان عقول مستمعيها .. وهل كان فى هذه الدول الحبيبة  أى مساحةٍ من حرية التعبير؟ .. هذه الدول بالذات لم تُسقطها الديمقراطية وإنما أسقطها الكلامُ الساكتُ .. الكلامُ الساكتُ والصوت الواحد هو البديلُ الديكتاتورى لحرية التعبير  .. كان فى هذه الدول عشرات المنصات التى لا تنطق إلا بعبقرية الزعيم الفلتة فكان طبيعياً أن تسقط .. لأن الصمت يُفاقم الأخطاء .. هذه الدول جمع بينها نفس الداء .. اعتبارُ كلِ  نقدٍ  خيانة وكل صوتٍ مختلفٍ  عمالة .. هذه دولٌ لم تُسقطها حرية التعبير وإنما أسقطها قَطعُ الألسنة وإذابة أيدى الكُتاب فى الحامض وتهشيم أنامل رسامى الكاريكاتير .. كل الدول عُرضةٌ  للتآمر بلا شك، ولكن الدول التى لا تُحَصِّن نفسها بالديمقراطية تُسّهِّلُ على أعدائها مهمة تدميرها.

أتحدى أن يدلنا أحدٌ على دولةٍ واحدةٍ  فى العالم أسقطتها أو عَطَلَّت نموها الديمقراطية وحرية الرأى .. لكن ما أكثر الدول التي هَوَى بها للقاع الكلامُ الساكتُ وصُنَّاعُ الطغاة ..  فاللهم احفظ مصر ولا تُسكِت للمصريين صوتاً ولا قلماً ولا ضميراً .. فالشعوب البَكْمَاء لا يغادرها الطغاة.

(مقالٌ سَبَقَ نشره قبل اعتقالى بتصرف ولا يزال صالحاً للأسف)
---------------------------------
مهندس/ يحيى حسين عبد الهادى


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة03:52
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
19.7°C
توقعات الساعات القادمة
19.7°C
19.4°C
19.2°C
18.9°C
18.3°C
17.6°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي

"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...

"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست

لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...

بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية

شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...

إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى

رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,074ج.م
عيار 21
6,190ج.م
عيار 18
5,306ج.م
الجنيه الذهب
49,520ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...