الفول والنوتيلا: عندما يصبح الغذاء ساحة جدل ووعي
الحقيقة أنني قاومت نفسي كثيرًا في الكتابة في هذا الموضوع حتى لا أنساق إلى الترند المُثار، ولكن في الآونة الأخيرة تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي في مصر إلى ساحة معركة، طرفاها ليسوا خبراء تغذية، بل أشخاص يدافعون بشراسة عن نظام يمنع "الفول والسلطة" ويسمح بـ"النوتيلا والحلويات والشيبسي"، فيما عُرف بنظام "الطيبات".
هذا الانقسام لا يطرح سؤالًا بسيطًا مثل: "ماذا نأكل؟"، بل يفتح بابًا لسؤال أعمق: لماذا نساند بلا وعي؟ وهل أصبح طعامنا مجرد "ترند" لإثارة الجدل؟
ولكنني لن أتحدث عن هذا النظام، بل عن التغير الذي حدث لنا كمصريين، ودعوني أطرح بعض الأسئلة المهمة :
بطبيعته، يميل الإنسان إلى تصديق الحلول "خارج الصندوق"، خاصة عندما يفشل الطب التقليدي في علاج مشكلاته المزمنة، مثل القولون، أو السرطان، أو حتى أمراض نقص المناعة... وعندما يأتي من يقول لك: "الخضروات التي ظننتها مفيدة هي عدوك"، فهو يصنع صدمة معرفية تجذب الانتباه فورًا.
المفارقة الساخرة أن يمنع النظام "الفول" - طبق المصريين الأول بجانب الطعمية والسلطة - ويسمح بمنتجات مصنّعة كالنوتيلا، هو استفزاز منطقي متعمد، يخلق "اللغط" المطلوب لانتشار الترند.
وهنا تقع في الفخ النفسي: "أنا أعرف ما لا تعرفون".
الإعلان عن اتباع نظام غذائي مثير للجدل يمنح صاحبه شعورًا بالتميّز... فالشخص الذي يصوّر وجبته المكوّنة من خبز أبيض ومربى بدلًا من السلطة، لا يوثّق طعامه، بل يوثّق "تمرده" على المسلّمات الصحية... وغالبًا ما تكون هذه المساندة عاطفية لا علمية؛ فنحن نساند "الشخص" (الكاريزما) لا "المنهج" (الدليل).
استغلال الاسم وصناعة الترند
نحن نعيش في عصر "اقتصاد الانتباه"... اختيار اسم مثل "الطيبات" - بما يحمله من دلالات دينية وطمأنينة - يعكس ذكاءً تسويقيًا واضحًا.
فاستخدام مصطلحات تمس العاطفة بدلًا من الأرقام العلمية يجعل نقد النظام يبدو كأنه نقد لـ"حقيقة مطلقة"، وهو ما يدفع البعض للدفاع عنه كأنه قضية وجودية، لا مجرد نظام غذائي.
لكن السؤال الأهم: لماذا يساند البعض بلا وعي؟
الرغبة في الانتماء: الشعور بأنك جزء من مجموعة تتبع نظامًا معينًا يمنحك دعمًا نفسيًا.
النتائج السريعة الوهمية: أي نظام يقلل من المقليات والزيوت المهدرجة قد يمنح تحسنًا مؤقتًا، فيُنسَب هذا التحسن خطأً لمنع "السلطة"، لا لمنع "المقليات"، وهنا يحدث الخلط بين السبب والنتيجة.
هل هو مجرد استغلال للغط؟
الحقيقة أن المجتمع المصري أصبح - إلى حدٍ كبير - يستهلك "الخلاف" أكثر مما يستهلك "المعلومة". فاستغلال موضوع مثير للجدل هو الطريق الأسرع للشهرة... الهدف هنا ليس إقناع الأطباء، بل كسب ثقة "الجمهور المتعب" الباحث عن حل، حتى لو كان هذا الحل يمنعه من أبسط الأطعمة الطبيعية، ويعده بالصحة عبر السكريات المصنعة.
أما عن الجدل الدائر حول صاحب هذا النظام، فحتى مع وجود قرارات سابقة بحقه، نجد أن التعاطف معه مستمر؛ وهي سمة متكررة في طبيعة المجتمع، حيث يتداخل التعاطف مع الجدل، بغضّ النظر عن الحقائق، خصوصًا لو شعر البعض أنه قد ظُلم، وخصوصًا بعد وفاته بشكل مفاجئ.
ولكن الأغرب، لم تعد معركتنا مع الطعام في مصر معركة "سعرات"، بل أصبحت معركة "وعي".
وقبل أن نعلن ولاءنا لأي نظام يحرمنا من خيرات الأرض بدعوى أنها سموم، علينا أن نسأل أنفسنا:
هل نتبع حقيقة علمية، أم مجرد "ترند" يُشبع رغبتنا في الاختلاف والظهور؟
-----------------------------------
بقلم: أسماء حامد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر
أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي
"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...
زهايمر!
هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...
البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي
خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري