الفواعلي .. قصة قصيرة يكتبها: محمد فيض خالد
أخيرا انقضت الامتحانات ، وانتهت المُهلة التي أعطيتها نفسي لأسترد عَافيتي، والتي كَلفت أمي زوجين من الأرانب ، وأربعَ دجاجاتٍ انقطعن عن البيَضِ ، عاجلتهن السِّكين قَبل أن يألفن التَّسكع فوقَ أسطحِ الجيران.
ألقيتُ ملابسي ببطنِ حَقيبة يدٍ صغيرة، احتلت لتوفيرِ جُنيهاتٍ قلائل استدنتها من جدتي لأمي لزوم الطريق، لم يتبق إلا أن يُحدِّد صديقي "ربيع "موعد السفر، هذه المرة الأولى التي أُغادر فيها قريتي ، لوجهٍة جديدة ولحياةٍ مختلفة أجهلها بالمرة، فلطالما تصفَّحت أوراقا من دفترٍ أحوالِ الغُربة ، رواها أبناء قريتنا، ولطالما انجذبتُ لما فيها من الحزنِ والفرح الضَّيق والفرج المرض والصحة، حتى معاركهم وبطولات البعض المُلفّقة التي مرحت بحقولِ الخَيالِ انشغلتُ بها.
وجدتُ في تلك العوالم اللَّذة والانجذاب، وجدت فيها بَراحا مُمتدا، وتَحرُّرا من قيودٍ صَارمة، وفِكاكا من مَـألوف ، تَحدَّد صباحَ يومٍ صَائف فاتر ملتهب، أحمرّت شمسه موعدا للرَّحَيلِ، مَرَّ "ربيع" في جِلبابهِ الأزرق وحذائه اللَّميع ، انسللت خِلسةً قبل أن يراني أحدٌ ، فهذه الرحلة على غيرِ مُرادِ الأهل، خاصةً الوالدة التي تَخشى على صغيرها قسوة الأيام، تقول متُألمة :"كسرة الخبز في بيتك أبرك من خروفٍ في بلاد الناس ، الغربة تُربة"، ما أشقى الغريب وما أشقى لياليه،في حُجرةٍ متواضعةٍ رُصَّت الفُرش إلى جوارِ الجُدرانِ ، امتلأت بأواني الطَّبخ وقناني المياه، ووجوه لوَّحتها الشَّمس، واجهدها التَّعب فنفرت عظامها، وتشعَّثت لحِاها. التهمتُ عشائي الأول في ابتهاجٍ وأنس، ومن بعدهِ دارت كؤوس الشاي معبقة وسط أجواءٍ السَّمرِ والتَّسليِة، انهمك الأصدقاء في لعبهم وكَأنَّ دنياهم خَلت من قسوتها، فلم تعرف غير المرحِ والضَّحكِ الصَّافي.
تَخيَّرت مكانا للرّقادِ اتخذته إلى جوارِ "ربيع"، أطفئ المصباح الوحيد لتَغوص من بَعدهِ الغُرفة في ظَلامٍ دامس، اختلطت فيه تأوهات الأحلام بأنينِ الآلام ، بتصريفِ البطون، هكذا حتى انفلق بطن الصباح وصَرخَ جنينه، توسلت للنُّعاسِ فلم يستجب، لكَّنه عَاجلني بغتةً ، استغرقت في هدأتهِ زمنا، لم أدر بنفسي إلا ويد "ربيع" تَهزَّني برفق، تناولنا فطورنا على عَجلٍ وانطلق ثلاثتنا أنا وربيع وابن خالته، قال ربيع مُتهلل الوجه :"أنت وجه السعد ، لقد تقاولنا على شغل جديد للتشوين" ، هَززت رأسي مُؤمِّنا على كلامهِ ، وقفنا أمام بناءٍ حديث ، صَفقَ صاحبنا فَرِحا وهو يشير ناحية جَبلٍ هائلٍ من الرمال، بادرني بالصِّياح :" البوسطا.. البوسطا " ، لم افهم معناها، لكننَّي انهمكت معهما في تعَبئِة الأكياس بالرمل وحملها، انتابت "ربيع" حالة من الهياج ، جعل أثنائها يَصرخُ بصوتٍ عالٍ وهو يهرول فوق الدرج : "بوسطا..بوسطا" ، ظللت على حالتي من الثَّباتِ، إلى أن فسَّر مقصوده، يتوجَّب على ثلاثتنا الانتظام سريعا فوق الدَّرجِ في تَسلسلٍ، يتناول أحدنا الحِمل عن أخيه حتى يفرغه الأخير وهكذا، لم يكن يومي الأول كأجملِ ما يكون، بلَغَ مني الإعياء مبَلغه وأنا الذي حمل الفأس صبيا، جعلت أنظر من أعلى ألعن جبل الرمل الراسي في استفزاز، انقضي يومي وعدت أجر جسدي المنهك ، تناولت العشاء وارتميت على فراشي لا ألوى على شيء، وعند الصباح ايقظني "ربيع" مُبتسما وهو يقول :"لقد ازعجتنا طوال الليل ، ظللت تطلق عقيرتك بكلمة بوسطا حتى مطلع الفجر" ، فرَكتُ عينيَّ، اقتربتُ منه هامسا في أذنه :"بوسطا"، وغِبنا في ضحكٍة طويلة.
---------------------------
قصة قصيرة يكتبها : محمد فيض خالد

الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية
كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...
حديث الإفك وكلاب السكك!
كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى
رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست
لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري