الغضب المسفوح
هذان رجلان قد وقفا بميدان رمسيس بالقاهرة، وقد وليا وجهيهما يريدان طنطا، وعند كل منهما وعاء فيه كفايته من الوقود يبلغه مقصده، فأما أحدهما فوقف فى رمسيس فأراق وقوده على الأرض وأشعله نارًا ارتفعت والتهبت ثم خبت وانطفأت، وهو بعد لم تزايل قدماه مكانهما، فلا طريقًا قطع ولا وقودًا أبقى! وأما صاحبه فالتمس لنفسه مركبة فأفرغ فيها ما عنده من وقود، ثم أدارها فانطلقت به حتى بلغت به مقصده ووجهته.
فذلك مثل الغاضب الذى يحسن الاستعانة بغضبه على حاجته حتى يبلغها، وبين غاضب آخر يريق غضبه على قارعة طريق أو فى رُحبة ميدان ثم يتولى عنه!
فكم من ملايين المتظاهرين قد سفحوا وقود غضبهم هدرًا ما بين هتاف وصياح ومناشدة فى ساحة ثم مضوا، فلم يسمعهم أحد، ولا أجاب سؤلهم مجيب! بل إنى لأزعم أن الحكومات أحرص على عقد التظاهرات من المتظاهرين الداعين لها، ذلك أنها تكون بإذن الدولة وتحت أعين رجالها، وتكون معروفة الزمان والمكان والهتاف، ثم هى تُرفِّه عن الناس، وتُنفس من ضيقهم، ويستريح المتظاهر بعدها إذا أحس أنه قد أدى الحق الذى عليه فتبرد حميّته، وينفد وقود عزمه بعدها، فلا ينهض لشىء ذى بال، فتمضى الحكومات بعدها لأمرها الذى تريد لا يكدر عملها كدر.
فليس ما يخشاه الكبار أن يجتمع الناس ويريقوا وقود غضبهم، إنما أخشى شىء يخشونه أن يحفظ الناس وقود غضبهم فلا يهدرونه، بل يضعونه موضعه من محرك العزم والعمل والسعى، ثم ينطلقون فيبلغون وجهتهم ومقصدهم الذى أرادوا.
وإليك أمثالًا قائمة نراها كل يوم على ذلك، فكم قد أبصرنا وشهدنا تظاهرات فى البلاد الغربية وغير الغربية مناصرة لغزة، ومستنكرة لعدوان العدو، وملتمسة منع المدد والمعونة إليه، وهى كثيرة كثيرة، فهل نصر ذلك غزة، أو رد عدوًّا، أو منع عنه معونة كانت تأتيه؟! كلا، لتقل أنت ما شئت من القول، ولتهتف بما شئت من الهتاف، فإن لك حق التظاهر والتصايح، وللحكومات أن تعطيك الإذن والمكان وتراقبك، ثم تفعل بعدها ما شاءت! ولفد فطن اليهود إلى ذلك فلست تجدهم يعمدون إلى الإكثار من التظاهر لعرض حججهم للناس، بل كانوا أقل تظاهرًا فى بلاد العالم، لكنهم كانوا أمضى عزمًا، وأنفذ فعلًا، وأعلى كلمة عند الكبار، كما كان هذا هو دأبهم من قبل أن تقوم لهم دولة، فقد علموا أن غضبهم ومظلمتهم إن هم هتفوا بها فى مظاهرة ثم طرحوها على قارعة الطريق، لم يُجِب شكايتهم أحد، ولم تقم لهم دولة، فتيقنوا أن السبيل ليس التظاهر، بل النفوذ إلى القصور، وبيوت الأموال، وبطانة الكبار، وحُسن الاستعداد، فملكوا ذلك، ثم أقاموا دولتهم، وتركوا لغيرهم حق التظاهر.
ولنا هاهنا مثال لغضبة مسددة غير طائشة ولا مهدرة قد أحسن جمهور أمتنا الاستعانة بها بعد طوفان الأقصى، ألا وهى (المقاطعة)، فإن قومنا قد غضبوا ولحسن الحظ لم يجدوا تظاهرات يفرغون فى ميادينها غضبتهم، فوجهوا هذا الغضب إلى مقاطعة بضائع العدو وشركاته، فكان هذا الجنيه المقتطع من العدو ومؤيديه أنكى وآلَم عليه من سبعين مظاهرة وهتافًا، فانظر حين أحسنَّا تسديد الغضب إلى موضع الهدف من العدو، استطعنا نكبته فى ماله، وأغلقت له أفرع، وتبرأت منه أخرى، فهكذا يكون الغضب الموفق غير المهدر.
وهذا مثل آخر أسوقه إليك من وقائع الربيع العربى فى ٢٠١١م وما تلاها، وأبدأ بسؤال لقارئى الكريم: هل كنت تظن أن حاكمًا سقط بهتاف هاتف أو صياح صائح؟! كلا، إن غضبات الجمهور هذه ربما تقلع حجرًا، أو تهدم سورًا، أو تثير شغبًا، لكنها لا تعزل حاكمًا، ولا تُسقط دولة، أما من عزلهم واستبدل بهم وأدال دولتهم فقد كانوا من غير هؤلاء الهاتفين الغاضبين، بل كانوا جيوشًا وعصائب تعلم مطالبها ومطالب مستخدميها، واستعدت لتلك الساعة، وبادرت بالعمل المؤتلف، وتركت الغضب المُراق على الطرقات للمتظاهرين، للغاضبين!
إن الغضب لهموم الأمة أمر حسن محمود، إذا أحسنَّا استعماله وقودًا يبعث على التدبير والاستعداد والعمل، ويحث على الانبعاث لمعالى الأمور وبلوغ الغايات والمطالب، أما إذا أفرغناه فى تظاهرة وصياح، فقد أرقنا ثمينًا غاليًا فى غير محله، فإن التظاهرات إن صلحت لشىء فإنما تصلح أن تكون بادئة تستفز الأمة للعمل، أو تكون محفلًا جامعًا للناس فى المهمات والملمات، لينبعثوا جادين مشمرين للأمر، أو أن تكون التظاهرة تخويفًا وردعًا للعدو إذا أبصر الملايين تناوِئه، أما أن تكون التظاهرة وحدها هى الفعل والعمل فذلك هو الخسران المبين.
---------------------
بقلم: محمد زين العابدين
[email protected]
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر
أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس
سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...
الصبي والبلطجي!!
قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...
حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة
السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري