السبت، 07 نوفمبر 2026 القاهرة 20.9°C
رئيس التحرير مجدي شندي
السياسة بين الاستدراج والإغواء

السياسة بين الاستدراج والإغواء

رفع إبراهيم حمدي باشا، رئيس الديون الملكي، سماعة الهاتف وأنصت إلى الصوت على الطرف الآخر، وسرعان ما جحظت عيناه وامتقع وجهه، ثم تمالك نفسه وعقب "ألا يرى جلالة الملك أهمية عرض أمر كهذا على دولة رئيس الوزراء"، فجاءه رد صاعق بأن جلالته لا يريد إطلاع رئيس الوزراء، فقرار إرسال الجيش المصري إلى فلسطين قرار خاص بالملك وحده؛ كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة.

وضع الباشا السماعة، وضرب كفًا بكف، وتساءل كيف يُخفي الملك قرارًا كهذا على رئيس وزراء، بل كيف لا يثق فيه ويثق في الشماشرجي الذي أبلغه قرار الملك تليفونيًا، وحين طلب مقابلة جلالته، اعتذر قائلاً (جلالته مجتمع مع أكبر حمار في البلد)، يقصد الأمير عادل عمرو الذي يراه خبيرًا عسكريًا يعتمد عليه في خططه الحربية.

كانت التقارير الواردة للملك من مختلف البلدان العربية تؤكد عدم امتلاك إسرائيل قوة حربية.. مجرد عصابات مسلحة لا تمتلك خبرات حربية لا تستطيع الصمود أمام الجيش المصري، الذي يمكنه القضاء عليها في ساعات. تلى ذلك رسائل رسمية تُبايع جلالته زعيمًا وتنادي به خليفة للمسلمين.

وأظنك سيدي القارئ لست في حاجة لسرد بقية الأحداث، بداية من الأسلحة الفاسدة وهزيمة الجيش وإعلان تأسيس دولة إسرائيل.

تذكرت هذا المشهد الافتتاحي لرواية (صاحب الجلالة الحب) للكاتب الكبير مصطفى أمين إثر قراءة تعليق للدكتور حافظ السلماوي، الرئيس الأسبق لمرفق الكهرباء والأستاذ بهندسة الزقازيق، على أحد مقالاتي رجح فيه ما اتبعته أمريكا مع الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي بأنه مزيج بين سياسة الإغواء والتهديد بالعصا؛ جاء فيه:

(سياسة الإغواء بأن تكون أوكرانيا جزءا من الغرب الغني تُجاوز واقعها كدولة على حدود الدب الروسي والذي لن يسمح بأن تبتعد عنه بمسافات تتجاوز ما يمكن أن يقبله. تلى ذلك مرحلة العصا؛ بأن تدفع أوكرانيا ثمن ما أخذته من سلاح.  وأظن أن دوافع ترامب تنحصر في الاتفاق مع الروس لإخراجهم من ورطة أوكرانيا نظير تحجيم الدور الروسي عالميا وفك ارتباطاتهم مع الصين وإيران، وقد كانت أوكرانيا الضحية في هذا المذبح بشرط تحقيق الجميع مكاسب على حسابها، أما في حال منطقتنا فإسرائيل أولاً وثانيًا وأخيرًا، وليذهب الآخرون الي الجحيم.

كما يحدث ذلك أيضًا في غزة والقضية الفلسطينية عموما من أحلام السلام وقبول الآخر والمعاهدات لتنويم المجتمعات عن النوايا الحقيقية وصولاً إلى عصا التهجير، وهي سياسات قديمة جديدة تختلف فقط في الأساليب وليس في الأساس.). انتهى

في نقاشي مع الدكتور السلماوي حول مائدة إفطار رمضان، أوضح أن سياسة الإغواء تختلف عن سياسة الاستدراج، ففي حرب الأيام الستة 1967، تذرعت إسرائيل بهجمات الفدائيين الفلسطينيين ونقلت جانبا من قواتها إلى الحدود السورية، في المقابل أرسل الرئيس عبد الناصر الفريق أول محمد فهمي إلى دمشق لتولى القيادة المشتركة للقوات السورية والمصرية، فضلاً عن إرسال خطاب إلى قائد قوات الطوارئ الدولية في سيناء تضمن حشد القوات المصرية على الحدود للتعامل مع إسرائيل فور قيامها بعمل عدائي ضد أي دولة عربية، وطلبت مصر إخلاء قوات الطوارئ مواقعها من الجانب المصري، وأعلن الأردن تعبئة قواته، تلى ذلك إجراءات تصعيدية استراتيجية، منها إغلاق مصر مضايق تيران، تزامنت مع إجراءات من جانب عدة دول عربية زادت من حرارة المنطقة، في وقت كانت كل المعلومات المرسلة من الجانب العربي تفيد بأن القوات العربية سوف تدخل تل أبيب في غضون ساعات من بدء القتال، وليتكرر ما وقع عام 1948، إلى أن جاء عام 1973 وطبق الرئيس السادات سياسة الخداع الاستراتيجي، فكسب الحرب.

وبين الاستدراج والإغواء تمضي بحور السياسة.
---------------------
بقلم: 
د. محمد مصطفى الخياط
[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة03:25
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
20.9°C
توقعات الساعات القادمة
20.9°C
20.1°C
19.2°C
18.2°C
17.6°C
17.3°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه

السؤال:أشكركم على هذا الموقع‎.‎ ‏ سؤالي‎:‎‏ أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، ‏فقد مضت سنة على رسمي له، لك...

مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها

شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...

حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي

"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,063ج.م
عيار 21
6,180ج.م
عيار 18
5,297ج.م
الجنيه الذهب
49,440ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...