الخميس، 05 نوفمبر 2026 القاهرة 24.8°C
رئيس التحرير مجدي شندي
الرضا… وكفى بها نعمة

الرضا… وكفى بها نعمة

ليس الرضا أن تُغلق عينيك عن الألم، ولا أن تُنكر قسوة ما يمر بك، بل أن تفتح قلبك على اتساعه للثقة في الله، حتى وأنت في قلب العاصفة. الرضا حالة صفاء داخلي، ومقام روحي عميق، إذا سكن القلب لم تعد الدنيا قادرة على كسره، ولم يعد الوجع قادرًا على هزيمته. فحين يرزقك الله الرضا تصبح أقوى مما تظن، وأهدأ مما يتوقع الآخرون؛ لأنك لا تستمد قوتك من الظروف، بل من اليقين بأن الله يدبر الأمر كله بحكمته ورحمته، سبحانه. والرضا ليس رفاهية روحية، ولا مجرد كلمات تُقال في لحظات الوعظ، بل هو ضرورة إنسانية، وشفاء حقيقي للقلوب لو نعلم، وليس الحديث عن أهميته كلامًا مرسلًا أو خواطر عابرة، بل حقيقة يشعر بها كل من تأمل الحياة بصدق، و كل إنسان عاش التجربة يعرف أن السخط لا يرد غائبًا، ولا يغير قدرًا، ولا يداوي جرحًا، بل يزيد القلب تعبًا فوق تعبه. أما الرضا، فهو الدواء الذي تتذوقه الأرواح حين تُنهكها الخيبات، وحين تجرّب الركض خلف ما لا يُدرك، ثم تكتشف أخيرًا أن السكينة لم تكن في امتلاك الأشياء، بل في قبول حكمة الله فيها.

يقول ابن عطاء الله السكندري: "أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك". وكأن الحكمة تختصر الطريق كله: أن تترك لله ما لا تملك تغييره، وأن تسلّم قلبك لمن بيده كل شيء. ولا شك أن وراء كل قضاء لطفًا خفيًا لا تراه العيون العجولة، ولا تدركه القلوب المتعجلة، حين يرزقك الله الرضا، تصبح الخسائر أقل فداحة؛ لأنك لا ترى في الفقد نهاية، بل انتقالًا، ولا ترى في الغدر سقوطًا، بل كشفًا. الرضا لا يمنع الحزن، لكنه يمنعه من التحول إلى سخط، ولا يلغي الدموع، لكنه يمنعها من أن تعمي البصيرة. فالإنسان لا يتألم لأن الأحداث أقسى مما يحتمل؛ بل لأن قلبه يتشبث بما لم يُكتب له، وحين يتعلم القلب فنّ التسليم، يتحول الألم إلى عبور لا إقامة.

يقول جلال الدين الرومي: «جرحك هو المكان الذي يدخل منه النور»، فالوجع ليس عدوًا دائمًا، بل قد يكون بابًا لنضج لا يُمنح إلا لمن ذاق الخيبة ثم رضي، فالرضا هو أن تفهم أن الله لا يأخذ شيئًا إلا ليعطي، ولا يؤخر إلا لحكمة، ولا يمنع إلا لحماية، هو أن تؤمن أن الخسارة قد تكون عين النجاة، وأن ما ظننته شرًا كان رحمة متنكرة.

وقال الفضيل بن عياض: "من عرف الله رضي بقضاء الله "، لأن المعرفة تولد الطمأنينة، وكلما ازداد القلب قربًا من الله، خفَّ عليه ثقل المقادير، وفي عالم مليء بالتقلبات، يوم يمنحك ويوم يأخذ منك، يوم يبتسم لك وآخر يدير ظهره، يصبح الرضا هو التوازن الذي يمنعك من الانكسار حين تسقط، ومن الغرور حين تصعد. فالرضا أن تعيش بين الخوف والرجاء دون أن تفقد يقينك بأن الله أرحم بك من نفسك. قال الامام الشافعي، رحمه الله: "دع الأيام تفعل ما تشاء، وطِب نفسًا إذا حكم القضاء". فهو يدعو إلى الرضا والتسليم بقضاء الله وقدره، والتحلي بالصبر عند النوائب، وعدم الجزع من تقلبات الحياة، فالدنيا دار فناء لا تدوم على حال، والرضا يورث النفس الراحة والطمأنينة. والرضا لا يعني أن تتوقف عن الحلم، بل أن تحلم دون أن تجعل حلمك شرطًا لسلامك الداخلي، أن تسعى، لكن لا تتعلق، أن تجتهد، لكن لا تنهار إن تأخَّر الفتح؛ لأن القلب إذا رضي صار أثبت من العاصفة. وطالما نحن أحياء، فالأمل لم ينقطع. الحياة لا تُختصر في ما مضى، ولا تُقاس بخسائر الأمس ، أجمل سنوات العمر قد تكون تلك التي لم نعشها بعد، والفرص التي لم تأتِ ربما تحمل لنا ما يعوّض صبر السنين ، و من يتفاءل بالخير ويُحسن الظن بالله لا بد أن يلقاه، فالله عند حسن ظن عباده به. يقول المتنبي: "على قدر أهل العزم تأتي العزائم/ وتأتي على قدر الكرام المكارم".  والعزم هنا ليس أن تتحدى القدر، بل أن تثبت أمامه بقلب راضٍ ونفس مطمئنة. الرضا هو أن تبتسم رغم التعب، وأن تقول: "الحمد لله"؛ لا لأنك تملك كل شيء، بل لأنك تثق بمن يملك كل شيء. هو أن تتصالح مع ضعفك الإنساني دون أن تفقد إيمانك بقوة الله. ويقول سفيان الثوري: "الزهد في الدنيا هو قصرُ الأمل، والرضا عن الله". والزهد هنا ليس مجرد لبس الخشن أو أكل البسيط، بل هو حالة قلبية وعملية تتلخص في "قصر الأمل"؛ وهو عدم التعلق بطول الحياة والاستعداد للموت. و"الرضا عن الله"؛ يعني الرضا بقضاء الله في كل الأحوال، مما يثمر الحكمة ونور البصيرة. فالزهد الحقيقي ليس ترك الدنيا، بل إخراجها من القلب، والرضا هو أن تسكن روحك حتى لو اضطربت الأيام حولك. فاطلب من الله الرضا قبل أن تطلب تبدل الأحوال؛ لأن القلب إذا رضي هانت الأوجاع، وخف الحمل، وصارت الحياة أكثر احتمالًا وأقل قسوة، وكما قال بعض العارفين: "بالرضا تُجبر الكسور التي لا يراها أحد".

نعمة الرضا كفى بها نعمة. فمن أُعطي الرضا، فقد أُعطي مفاتيح السلام، ومن عاش متفائلًا بالله، مطمئنًا بحكمته، لن تهزمه الدنيا مهما اشتدت؛ لأن الله إذا رزقك الرضا، فلن تقوى عليك الحياة.
-------------------------------
بقلم: سحر الببلاوي 

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة05:06
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
26.0°C
توقعات الساعات القادمة
26.0°C
26.9°C
26.9°C
26.6°C
26.0°C
25.2°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
زهايمر!

هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...

مهام البناء على المتاح

من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...

ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية

 كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...

تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى

تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,114ج.م
عيار 21
6,225ج.م
عيار 18
5,336ج.م
الجنيه الذهب
49,800ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...