الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 19.1°C
رئيس التحرير مجدي شندي
الديون ليست خطيئة... لكن الخطر حين تمول ما لا يدر عائدًا

الديون ليست خطيئة... لكن الخطر حين تمول ما لا يدر عائدًا

- كيف نحول الاقتراض من عبء على الأجيال إلى محرك للتنمية؟

منذ فجر النهضة الاقتصادية الحديثة، لم يكن الاقتراض عيبًا في حد ذاته، بل كان أحد أهم أدوات بناء الدول. فالولايات المتحدة، واليابان، والصين، وكوريا الجنوبية، وماليزيا، وسنغافورة، جميعها اقترضت، لكن الفارق أن تلك الدول جعلت من الديون وسيلة لإنتاج الثروة، بينما تتحول الديون في بعض التجارب الأخرى إلى عبء إذا وُجهت إلى إنفاق لا يولد عائدًا اقتصاديًا يكفي لسدادها.

واليوم تقف مصر أمام لحظة تستحق مراجعة هادئة ومسؤولة، بعدما أصبحت فوائد الدين العام تقترب من 2.42 تريليون جنيه، أي ما يقرب من 60% من الإيرادات العامة، ونحو 46.7% من إجمالي الإنفاق بالموازنة الجديدة. وهذه الأرقام لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد مؤشرات مالية، بل باعتبارها إنذارًا يستوجب إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية.

إن الدين يشبه البذرة؛ فإذا زُرعت في أرض خصبة أثمرت وأعادت رأس المال مضاعفًا، أما إذا زُرعت في أرض لا تنتج، فإن صاحبها يظل يسدد فوائدها من دخله عامًا بعد عام حتى تستنزفه.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كم اقترضنا؟ وإنما: فيم اقترضنا؟ وما العائد الذي تحقق؟

لقد أنفقت الدولة خلال السنوات الماضية مليارات الجنيهات على شبكات الطرق، والكباري، والمدن الجديدة، ومشروعات البنية الأساسية. ولا يمكن إنكار أهمية جانب كبير من هذه المشروعات في تحسين البنية التحتية، لكن الاقتصاد لا يقاس فقط بما يُبنى، وإنما بما يحققه هذا البناء من إنتاج وتشغيل وصادرات وتدفقات نقدية قادرة على خدمة الديون.

فالمشروع الذي لا يضيف إنتاجًا، ولا يزيد الصادرات، ولا يوفر عملة أجنبية، ولا يحقق إيرادًا مستدامًا، يظل مشروعًا يحتاج إلى تمويل دائم من الموازنة العامة، فتتحول خدمته إلى عبء على دافع الضرائب.

لقد قدمت دول عديدة نماذج ناجحة في إدارة الاقتراض.

ففي كوريا الجنوبية وُجهت القروض إلى إنشاء مصانع الحديد والسفن والإلكترونيات، حتى أصبحت شركاتها تنافس عالميًا وتدر مليارات الدولارات سنويًا.

وفي ماليزيا ارتبط الاقتراض بتطوير الصناعة والتكنولوجيا والتعليم، فارتفعت الصادرات وتضاعف الناتج المحلي.

أما الصين، فقد استخدمت الديون في إنشاء مناطق صناعية وموانئ وشبكات نقل تخدم الإنتاج والتصدير، فكانت المشروعات نفسها مصدرًا لسداد تكلفة تمويلها.

أما حين يسبق الإنفاق القدرة الاقتصادية على السداد، فإن الدولة تجد نفسها مضطرة إلى الاقتراض لسداد أقساط وفوائد قروض سابقة، فتدخل في دائرة يصعب الخروج منها.

ولعل أخطر آثار هذه الدائرة أنها تضغط على الإنفاق الاجتماعي. فكل جنيه يذهب لخدمة الدين هو جنيه أقل يمكن توجيهه إلى الصحة أو التعليم أو البحث العلمي أو دعم الفئات الأولى بالرعاية أو تحسين دخول المواطنين.

ومن هنا، فإن القضية ليست قضية محاسبة على الماضي، وإنما قضية حماية للمستقبل.

إن الاقتصاد المصري يمتلك مقومات هائلة؛ موقع جغرافي فريد، وسوقًا كبيرة، وقاعدة بشرية واسعة، وموارد طبيعية متنوعة، لكن هذه الإمكانات تحتاج إلى توجيه الاستثمارات نحو القطاعات القادرة على إنتاج الثروة.

إن المخرج ليس مستحيلًا، بل يبدأ بعدة خطوات واضحة:

وقف التوسع في الاقتراض لتمويل المشروعات غير ذات الأولوية الاقتصادية.

إعطاء الأولوية المطلقة للصناعة والزراعة والتكنولوجيا والسياحة والطاقة المتجددة باعتبارها قطاعات تحقق عائدًا مباشرًا.

إخضاع أي مشروع جديد لدراسة جدوى مستقلة تعلن للرأي العام، توضح تكلفة التمويل ومصادر السداد والعائد المتوقع.

التوسع في الشراكة مع القطاع الخاص حتى لا تتحمل الموازنة العامة وحدها تكلفة الاستثمار.

تعظيم الاستفادة من أصول الدولة غير المستغلة قبل اللجوء إلى الاقتراض.

زيادة الصادرات والإنتاج المحلي باعتبارهما المصدر الحقيقي للنقد الأجنبي وسداد الالتزامات الخارجية.

خفض تكلفة الاقتراض تدريجيًا عبر تعزيز الثقة في الاقتصاد وتحسين مناخ الاستثمار.

كما أن من الضروري إعادة تقييم المشروعات القائمة، ليس لإلغائها، وإنما لتعظيم عائدها الاقتصادي، وربطها بالأنشطة الإنتاجية والاستثمارية، حتى تتحول من أصول جامدة إلى مصادر دخل.

إن نجاح أي دولة لا يقاس بعدد المشروعات التي تنفذها، وإنما بقدرتها على تحويل هذه المشروعات إلى ثروة مستدامة يشعر بها المواطن في مستوى معيشته، وتظهر آثارها في انخفاض الدين، وارتفاع الإنتاج، وزيادة فرص العمل.

إن النقد الاقتصادي الموضوعي لا يستهدف الهدم، ولا التقليل من أي إنجاز، وإنما يسعى إلى تصحيح المسار قبل أن تصبح تكلفة التصحيح أكبر.

فحب الوطن لا يكون بالتصفيق الدائم، ولا بالرفض الدائم، وإنما بالصدق في التشخيص، والإخلاص في تقديم الحلول، والحرص على أن تظل موارد الدولة موجهة لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة.

فإذا كان الاقتراض ضرورة في بعض المراحل، فإن تحويل كل جنيه مقترض إلى جنيه منتج هو الضمان الحقيقي لحماية الاقتصاد، وصون حقوق الأجيال القادمة، وتحقيق التنمية التي تقوم على الإنتاج لا على تراكم الديون.
-------------------------------
بقلم: كامل السيد


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:22
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
18.8°C
توقعات الساعات القادمة
18.8°C
18.9°C
20.4°C
22.9°C
25.4°C
27.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)

تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...

حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس

سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...

حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة

السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...