الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 27.3°C
رئيس التحرير مجدي شندي
الحركة المدنية: كيانات باقية… وفاعلية غائبة

الحركة المدنية: كيانات باقية… وفاعلية غائبة

حين تأسست الحركة المدنية الديمقراطية قبل سنوات، بدت لكثيرين محاولة جادة لكسر حالة التشرذم التي أصابت القوى المدنية المصرية. فقد جمعت تحت سقف واحد أطيافًا مختلفة من الناصريين واليساريين والليبراليين وشخصيات عامة مستقلة، وبدت في لحظتها الأولى وكأنها خطوة نحو بناء مساحة مشتركة تستطيع من خلالها المعارضة المدنية استعادة بعض حضورها وتأثيرها.

ولا يمكن إنكار أن الحركة نجحت في الحفاظ على حد أدنى من التنسيق بين قوى متباينة، كما نجحت في إبقاء صوت مدني معارض حاضرًا في المجال العام خلال سنوات صعبة.

 لكن النجاح في إنشاء إطار جامع شيء، والنجاح في تحويله إلى قوة سياسية مؤثرة شيء آخر.

فبعد سنوات من انطلاقها، يصعب القول إن الحركة استطاعت تحقيق النقلة التي كانت الآمال معلقة عليها. 

لم تتمكن من بناء قاعدة اجتماعية واسعة، 

ولم تنجح في إنتاج مشروع سياسي جامع يتجاوز حدود مكوناتها التقليدية، 

وبقي حضورها أقرب إلى المجال النخبوي منه إلى المجال المجتمعي. 

ومع الوقت بدا أن الحركة تعكس أزمات الأحزاب والقوى التي تشكلت منها أكثر مما تتجاوزها.

المشكلة ـ في نظري ـ لا تتعلق بالحركة وحدها. فتعثر الحركة المدنية في صيغتها الراهنة، يكشف أزمة أعمق تعانيها السياسة المدنية المصرية منذ عقود: 

ضعف التنظيم، 

محدودية الامتداد الشعبي، 

عجز النخب عن التجدد، 

واتساع الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي. 

ولهذا فإن تقييم الحركة المدنية الديمقراطية لا يقتصر على الحكم على تجربة بعينها، بل يفتح الباب أمام مراجعة أوسع لمسار المعارضة المدنية المصرية كلها.

غير أن المراجعة الجادة لأي تجربة سياسية لا تقف عند حدود تفسير أسباب التعثر أو تعداد العقبات التي واجهتها. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي كيان سياسي ليس فقط قدرته على الصمود، بل قدرته على التطور والتجدد وتحقيق الغاية التي نشأ من أجلها. 

وهنا تحديدًا يبرز السؤال الذي ربما تأخر طرحه طويلًا: 

ـ ماذا يحدث حين يتحول الإطار الذي أُنشئ لكسر الجمود إلى جزء من حالة الجمود نفسها؟ 

والسؤال الأهم اليوم هو:

ـ وماذا يحدث حين يصبح الحفاظ على الكيان هدفًا يتقدم على تحقيق الأهداف التي قام الكيان من أجلها؟

لذلك أرى أن المشكلة الحقيقية لم تعد في أسباب تعثر الحركة المدنية الديمقراطية، بل في عجزها عن الاعتراف بهذا التعثر أصلًا. 

ينسى كثيرون أن الحركات السياسية، مثل البشر، قد تخطئ وقد تفشل، لكن الخطر يبدأ حين تتحول من محاولة لتغيير الواقع إلى جزء من الواقع الذي نشأت لمقاومته.

السنوات التي أعقبت تأسيس الحركة كشفت أنها لم تنجح في تجاوز حدود الأزمة التي خرجت منها.

ومع مرور الوقت لم تعد تعاني من الركود السياسي فحسب، بل أصبحت أحد تجلياته. 

الحركة التي وعدت بالتجديد استقرت داخل المعادلات القديمة نفسها، والحركة التي أرادت تجاوز تشتت الأحزاب تحولت إلى مظلة تُدار داخلها الأزمة أكثر مما تُحل.

 أما الجسر الذي كان يفترض أن يقود إلى المستقبل، فقد تحول إلى محطة انتظار طويلة لا يبدو أنها تقود إلى مكان.

الأخطر أن استمرار الوضع على هذا النحو خلق وهمًا سياسيًا مريحًا للجميع. 

بات وجود الحركة يمنح انطباعًا بوجود معارضة مدنية منظمة، بينما تكشف الحصيلة الفعلية عن محدودية التأثير ومحدودية القدرة على الوصول إلى المجتمع أو إنتاج بديل سياسي حقيقي. 

وهكذا يصبح الحفاظ على الكيان هدفًا قائمًا بذاته، حتى لو تراجعت فاعليته أو تقلصت قدرته على الإنجاز.

لهذا ربما يكون السؤال المطروح اليوم أكثر جذرية من أي وقت مضى: 

ـ هل أصبحت الحركة المدنية الديمقراطية جزءًا من المشكلة التي نشأت أصلًا لمحاولة حلها؟

قد يبدو السؤال قاسيًا، لكنه سؤال مشروع. فليس من مصلحة السياسة المدنية أن تتحول مؤسساتها إلى هياكل دائمة لا تُراجع ولا تُقيّم ولا تُسأل عن نتائجها. 

وليس من مصلحة المعارضة أن يصبح البقاء في المشهد بديلًا عن التأثير فيه.

لقد آن الأوان للاعتراف بأن الآمال التي عُلقت على الحركة عند تأسيسها كانت أكبر بكثير مما انتهت إليه تجربتها. 

وآَن الأوان أيضًا للاعتراف بأن تجديد السياسة المدنية لن يأتي من إعادة تدوير الأطر والوجوه والمعادلات نفسها، بل من امتلاك الشجاعة اللازمة للخروج من المساحات التي ضاقت بأصحابها وبأفكارهم معًا.

الأزمة ليست في انتهاء صلاحية تجربة سياسية بعينها؛ فكل التجارب التاريخية لها عمرها وحدودها. 

المشكلة هي الإصرار على التعامل معها وكأنها ما تزال قادرة على أداء الدور نفسه بعد أن استنفدت ما لديها. 

ما تحتاجه السياسة المدنية المصرية اليوم ليس الدفاع عن الأشكال القائمة، بل البحث عن مساحات جديدة وأفكار جديدة وأجيال جديدة.

ذلك أن السياسة لا تموت حين تفشل تجربة، بل تموت حين يصبح الفشل وضعًا معتادًا، وحين يتحول الركود إلى مصلحة، وحين يصبح الحفاظ على الكيان أهم من تحقيق الغاية التي أُنشئ من أجلها.

المهمة اليوم ليست كيف ننقذ الحركة المدنية الديمقراطية؟ بل كيف ننقذ السياسة المدنية المصرية من أن تنتهي إلى ما انتهت إليه الحركة نفسها، البقاء في المشهد دون قدرة حقيقية على التأثير فيه: كيانات باقية، وأسماء حاضرة، وفاعلية غائبة؟

﴿وعلى الله قصدُ السبيل﴾
----------------------------------
بقلم: محمد حماد

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:40
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
27.3°C
توقعات الساعات القادمة
27.3°C
29.0°C
30.3°C
30.9°C
30.9°C
30.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية

 كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...

حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية

صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...

رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس

سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...

الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...