الخميس، 05 نوفمبر 2026 القاهرة 18.2°C
رئيس التحرير مجدي شندي
الحرب المؤجَّلة بين القاهرة وتل أبيب

الحرب المؤجَّلة بين القاهرة وتل أبيب

في زحام التصريحات المُعلّبة، والبيانات الدبلوماسية المنمّقة، يبقى السؤال الحقيقي معلقًا في الهواء: ماذا تريد إسرائيل حقًا من الشرق الأوسط؟ هل تسعى إلى أمنٍ مستدام كما تقول، أم إلى هندسة شرق أوسط جديد تكون فيه اليد العليا بلا منازع؟ قراءة المشهد بهدوء تكشف أن الطموح يتجاوز حدود الدفاع إلى مشروع هيمنة كاملة، تكون فيه إسرائيل القوة الأوحد والعظمى في الإقليم، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.

منذ قيام الكيان الإسرائيلي عام 1948، لم تكن استراتيجيته يومًا منفصلة عن مفهوم التفوق النوعي. تفوق في التسليح، في التكنولوجيا، في التحالفات الدولية، وفي القدرة على توجيه ضربات استباقية تحافظ على فجوة واسعة بينها وبين جيرانها. هذا التفوق لم يكن مجرد خيار، بل عقيدة راسخة. ومن يتتبع مسار الحروب العربية الإسرائيلية، يدرك أن الهدف لم يكن فقط صدّ الخطر، بل إعادة تشكيل موازين القوى بما يضمن بقاء الكلمة الأخيرة دائمًا في تل أبيب.

المنطقة اليوم تعيش حالة سيولة غير مسبوقة: دول تتفكك، وأخرى تنشغل بأزماتها الداخلية، وثالثة تعيد حساباتها بين محور وآخر. في هذا المناخ، تتحرك إسرائيل بخطوات محسوبة، توسّع دوائر التطبيع، تعمّق علاقاتها الاقتصادية، وتوظف تفوقها التكنولوجي لبناء شبكة مصالح تجعل وجودها ضرورة لا يمكن تجاوزها. إنها لا تريد مجرد اعتراف، بل تريد مركز القيادة.

لكن في قلب هذا المشهد تبقى مصر. ليست مجرد دولة جوار، بل دولة ثقل تاريخي وجغرافي وعسكري. منذ توقيع اتفاقية السلام في أواخر السبعينيات، دخلت العلاقة المصرية الإسرائيلية مرحلة جديدة، اتسمت بالهدوء الرسمي والحذر المتبادل. إلا أن الهدوء لا يعني ذوبان التناقضات. فمصر، بحجمها وموقعها وسيطرتها على قناة السويس، تظل اللاعب العربي الأهم في معادلة الأمن الإقليمي.

السؤال الذي يفرض نفسه: هل المواجهة بين القاهرة وتل أبيب مستبعدة تمامًا؟ أم أنها مجرد حرب مؤجلة، مؤجلة بحسابات اللحظة الدولية، وبميزان القوى الراهن، لكنها تبقى احتمالًا قائمًا في حال تغيّرت المعادلات؟ السياسة لا تعرف الثوابت الأبدية. التحالفات تتبدل، والمصالح تعلو وتهبط. وما يبدو اليوم استقرارًا قد يتحول غدًا إلى اختبار صعب.

إسرائيل تدرك أن مصر ليست ساحة يمكن العبث بها بسهولة. الجيش المصري رقم صعب في المنطقة، والدولة المصرية تمتلك خبرة طويلة في إدارة الصراع. لكن في المقابل، تدرك القاهرة أن أي صدام مباشر سيحمل كلفة هائلة على الجميع. ومن هنا تنشأ معادلة الردع المتبادل: لا حرب معلنة، ولا ثقة كاملة.

المشهد إذن ليس أبيض أو أسود. هو مساحة رمادية تتحرك فيها القوى بحذر، تراقب وتنتظر. إسرائيل تسعى إلى تثبيت نفسها قوة لا ينازعها أحد في الشرق الأوسط، ومصر تحافظ على توازنها، تراقب خطوط النار، وتدير مصالحها ببراغماتية واضحة. بين الطموح الإسرائيلي والحسابات المصرية، يبقى الزمن عنصرًا حاسمًا.

قد تمر السنوات دون أن تنفجر مواجهة، وقد تبقى العلاقة في إطارها البارد المحسوب. لكن التاريخ يعلمنا أن الصراعات الكبرى لا تموت، بل تنام. وحين تتغير الظروف، تستيقظ. في شرق أوسط تتقاطع فيه المصالح الدولية والإقليمية، لا شيء مستحيل، ولا شيء محسوم إلى الأبد.

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة02:56
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
18.3°C
توقعات الساعات القادمة
18.3°C
19.2°C
20.6°C
22.2°C
23.7°C
25.0°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي

خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...

البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"

لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...

لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟

إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...

حديث الإفك وكلاب السكك!

كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,114ج.م
عيار 21
6,225ج.م
عيار 18
5,336ج.م
الجنيه الذهب
49,800ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...