التحالفات تتشكل والأساطيل تتحرك: هل دخلت تركيا مرحلة الحصار؟
يتصاعد المشهد في شرق المتوسط بوتيرة لافتة، حيث تتكثف التحركات العسكرية الأوروبية في محيط جزيرة قبرص بالتوازي مع حالة التوتر الإقليمي المرتبطة بالملف الإيراني، ما يفتح باب التساؤلات حول طبيعة هذه الاستعدادات وحدود أهدافها الفعلية. فخلال الأيام الأخيرة، برز حضور بريطاني متقدم عبر إرسال آلاف الجنود وثلاثة أسراب من الطائرات المقاتلة، إلى جانب نشر المدمرة HMS Dragon (D35)، في إطار انتشار مُعلن لحماية الجزيرة ومصالحها في شرق المتوسط، بالتوازي مع العمل على تطوير منظومات مراقبة تعتمد على الأقمار الصناعية لتعزيز القدرة الاستخباراتية في المنطقة.
في المقابل، لم تكتفِ فرنسا بالدعم السياسي، بل دفعت بمعدات بحرية ثقيلة، وأكدت التزامها بشراكة أمنية مع اليونان، في سياق مواجهة ما تصفه بالتمدد الجيوسياسي التركي، الممتد من بلاد الشام إلى أجزاء من إفريقيا. هذا الحراك لم يكن منفردًا، إذ انخرطت كل من ألمانيا وإيطاليا في مناورات بحرية مكثفة قبالة السواحل القبرصية، بينما وسّعت هولندا وإسبانيا نطاق انتشارها البحري، ما جعل شرق المتوسط يبدو وكأنه مسرح مفتوح لحشد أوروبي واسع النطاق.
ورغم أن المبررات الرسمية تركز على حماية قبرص، إلا أن طبيعة وحجم هذا الانتشار يتجاوزان بكثير حدود الدفاع التقليدي، ما يعزز الانطباع بوجود استعدادات لسيناريوهات تصعيد محتملة، ربما لا تزال ملامحها قيد التشكل. في هذا السياق، جاء الرد التركي سريعًا، حيث عززت تركيا وجودها العسكري في شمال الجزيرة، ونشرت مقاتلات F-16 Fighting Falcon إلى جانب أنظمة دفاع جوي، في رسالة واضحة برفض أي محاولة لإعادة رسم موازين القوى في الجزيرة دون حضورها الفاعل، وهو ما يعيد تكريس واقع الانقسام القبرصي كخط تماس عسكري بين نفوذ أوروبي في الجنوب وتركي في الشمال.
وفي خضم هذا التوتر، يبرز دور إسرائيل كعامل مضاعف لتعقيد المشهد، إذ يتزامن هذا الحشد مع تصاعد الخطاب الإسرائيلي الذي يضع تركيا ضمن دائرة التهديدات الأمنية، إلى جانب إيران تمامًا. وتدفع هذه الرؤية باتجاه إعادة تشكيل خريطة التحالفات في المنطقة، خصوصًا في ظل التنافس الحاد على موارد الطاقة في شرق المتوسط. فمنذ اكتشاف حقول الغاز، سعت إسرائيل إلى ترسيخ موقعها كمصدر وممر للطاقة نحو أوروبا، وهو ما التقى مع مصالح الاتحاد الأوروبي في تقليص الدور التركي في هذا الملف، الأمر الذي تُرجم إلى شراكات استراتيجية مع كل من قبرص واليونان خلال العقد الأخير.
ضمن هذا الإطار، يمنح الحضور الإسرائيلي في قبرص عدة مزايا استراتيجية، من بينها إمكانية استخدام الجزيرة كنقطة ارتكاز لعمليات عسكرية محتملة في محيط غزة، فضلًا عن دورها في التأثير على التوازنات اللبنانية، ومراقبة التطورات في سوريا، خاصة في ظل التقارب المتزايد بينها وبين تركيا. وهكذا، يتشكل في شرق المتوسط مشهد شديد التعقيد، تتقاطع فيه الحسابات العسكرية مع رهانات الطاقة والتحالفات المتغيرة، في منطقة لم تعد تعرف الثبات، بل تتحرك على إيقاع توازنات قابلة للانفجار في أي لحظة.
------------------------------------
بقلم: د. أحمد عبدالعزيز بكير
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
الذبح لمن استطاع سبيلا
بعد سيطرة ضباط يوليو1952على مصر..وبعد انتشار(شعارات العروبة) والقومية العربية.. وتوأمتها الوحدة العر...
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد
هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية
كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...
حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه
السؤال:أشكركم على هذا الموقع. سؤالي: أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، فقد مضت سنة على رسمي له، لك...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري