الجمعة، 06 نوفمبر 2026 القاهرة 18°C
رئيس التحرير مجدي شندي
البحث عن ذات (3)

البحث عن ذات (3)

إذًا، فقد ورث طلعت عن أبيه، الحاج مرسي، حقده وازدراءه لتلك الطبقة المثقفة والمتعلمة، والتي عبر عنها الروائي الكبير فتحي غانم، بشخصية رجل القانون عبد الحميد بك وعائلته، في روايته الرائعة "قليل من الحب.. كثير من العنف"، والتي تحولت إلى فيلم بنفس العنوان.

ورغم أن طلعت تخرج في كلية الهندسة، إلا أنه بتكوينه وثقافته التي تربى عليها، ظل يعاني من إحساس بالنقص كلما قابل يونس، ابن عبد الحميد بك، زميله في العمل، فيقرر في لحظة أن ينسلخ من ماضيه، فطلق زوجته وتقدم لخطبة ابنة عبدالحميد بك، وكان مدخله في ذلك ما عرضه من مهر وشبكة وهدايا للعروس وأهلها.

ولا أُخفي عليك سيدي القارئ، أن المال قد فعل فعله في تلك الأسرة التي شبت على قيم ومبادئ عالية، وتلقت من التعليم والاطلاع على الثقافات الأجنبية قدرًا أضاف إليها رقيًا فوق رقي، ظهر في تعاملاتها اليومية، وفي تلك اللغة التي يستخدمونها فيما بينهم وبين الآخرين، وكأنها وقف عليهم، من هنا بلورت سارة موقفها من طلعت حين سُئلت عن رأيها، فأجابت أخيها في حضور والديها قائلة:

" أعلم أنك تدافع عني، وتقلق أني أقبل الزواج منه رغم أني اتهمته بالسوقية، لأني محتاجة إلى أمواله، ولكن هذا غير صحيح. صدقني أني أتزوجه بنفس الشعور الذي عندك عندما قبلت العمل في شركة البترول حيث تتحمل الحياة على غير ما تودها في معسكر حياة خشنة مرهقة. ولكنك تمارس عملاً وتؤدي واجباً. وأنا أريد أن أعمل في مشروع طلعت.. مشروع أن أجعل منه إنساناً محترماً، بعد أن عجز على احترام نفسه، رغم كل ما يملكه من مال .."

وقد كان لهذا الكلام وقعًا مختلفًا على أفراد الأسرة، ارتاحت الأم ورأت أن زيجة كهذه لن تؤمن مستقبل ابنتها فقط، بل ومستقبل العائلة كلها، على النقيض رفض يونس ولم يتحرج من إظهار رفضه، فثار ساخطًا رافضًا، يرى في كل مبرر قبول تستر على ضعفٍ أمام طوفان المال الجارف.

أما أبوها فقد جالت في صدره هواجس عدة متضاربة الاتجاهات، فمن جانب يؤذن اقتراب خروجه إلى المعاش بانخفاض دخله، وإن شئت الدقة، انعدامه مقارنة بما يتقاضاه في وظيفته، فضلاً عن فقده هيبته ومكانته الاجتماعية، فهذا عامٌ يُبجل الجالس على الكرسي، فإذا ما غادره، تجنبوه، كأنما أصابه جربٌ مُعدٍ. ثم لا تلبث الهواجس تأخذ عبد الحميد بك إلى ما حَصَلَّ من مكانة في القضاء، وإلى من عرف من كبار القوم، وكيف أن اسمه كان كفيلاً بارتجاف الكثيرين، فكيف له أن يرضى بهذه الزيجة وهو وأسرته محط احترام وتقدير الجميع، إلا شخصين كانا يبغضونهم أشد البغض، ويتهمونهم سرًا بالنقائص، ويداهنونهم حين يلتقون بهم، عَلَّ تلك المداهنة تصل بهم إلى غرضهم، ألا وهو ارتباط طلعت بسارة، ولم يكن الشخصين سوى طلعت وأبيه.

وهكذا مرت الأحداث بين ارتباك واضطراب، إلى أن زارت زوجة طلعت السابقة يونس وقصت عليه قصتها مع زوجها، وكيف صارتا -هي وابنتها- مطمعًا للذئاب.

ولا أريد أن أُطيل عليك أكثر من ذلك، ويكفيني أن أخبرك أن الأمر انتهى إلى رفض سارة لطلعت، الذي شعر أن كرامته أُهينت، فتحول إلى ذئب شرس يتربص بأخيها يونس في مكان عمله وسكنه، ويتوعد أبيها يوم يخرج على المعاش، وما موعد خروجه ببعيد، ثم ما كان منه بعد أسابيع، إلا أن أرسل يدعو الأسرة إلى حفل زفافه، وقد كُتب إلى جوار اسمه في بطاقة الدعوة اسم فتاة، كانت لعائلتها نسب رفيع، ومكانة عالية قبل الثورة، وكأنه تعمد أن يخبرهم أنه اقترن بفتاة لا تقل عن فتاتهم، وبعائلة، ربما يفوق ماضيها حاضرهم.

ولكن الأيام سيدي القارئ لا تترك أحدًا على حال، فيونس الذي زارته فاطمة، زوجة طلعت السابقة، ذات يوم لتشكو له حالها، ورأى من باب الشهامة عيادتها ومساعدتها من حين لآخر، تعلق بها، وصار يعد الساعات في بعدها.

أما طلعت فقد كانت له شخصيتان متناقضتان أشد التناقض، الأولى الصارمة التي لا تعرف تهاونًا ويراها الجميع في العمل، والثانية الخانعة التي لا ترد كلمة لزوجته. يعيش على هواه خارج البيت، مكتفيًا من زوجته بتلك الواجهة الأرستوقراطية التي تمنحه إياها حين يخرجان متأبطين إلى المناسبات، فلا يلبث الناظر نحوهما أن يندهش ويتساءل بينه وبين نفسه، عن ذلك التناقض البادي في نشاز الملامح بين زوجته المزيج من جينات غربية وشرقية مع جمال طاغ، وبين مظهره البادي الثراء المفتقر للتناسق من قسمات وجهه إلى أنحاء جسمه.

ولا تظن أن الأمر انتهى عند هذا الحد، فكاتب كبير من طراز فتحي غانم، متخصص في تشريح المجتمع وترك القارئ حينًا في تناقض وحيرة، لا يلبث يقص عليه –دون أن يرمش له جفن- ما آلت إليه الأحداث، وهذا ما أتركه لك سيدي القارئ إن وجدت في نفسك رغبة في القراءة، فإذا لم تجد، فحسبك من المقال ما قرأت.
-----------------------------------

بقلم: د. محمد مصطفى الخياط
[email protected]


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:40
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
18.0°C
توقعات الساعات القادمة
18.0°C
17.5°C
17.3°C
17.3°C
17.4°C
18.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
وسط البلد الباهر!

وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....

زهايمر!

هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...

تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى

تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...

مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة

نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,114ج.م
عيار 21
6,225ج.م
عيار 18
5,336ج.م
الجنيه الذهب
49,800ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...