الإرهابي
ظلام دامسٌ إلا من بصيص نورٍ واهنٍ؛ تخالُ نفسكَ في غرف التحقيقات البشعة في أحد المعتقلات؛ فلا تعرف من أين سيأتيك صوتُ مَن يستجوبك.
ثلاثةٌ من مقدمي أحد البرامج التليفزيونية الألمانية يقعدون في تحفزٍ واضح؛ مُصوبين نظرات الاتهام صوب "عبد الكريم"؛ ذلك المُسلم الألماني الذي يقبع وحيدًا في جانب من الاستديو؛ يلفُه الظلام عدا بقعة ضوئية مُسلطة عليه؛ كي لا يرى الجمهور الذي حضر خصيصًا يروم مشاركة البرنامج الحكم على الدين الإسلامي "الإرهابي".
الحوار يدور كالتالي: المذيع الأول -بحِدّة-: عبد الكريم؛ عليك أن تتبرأ من الهجوم الإرهابي. عبد الكريم -بسخرية-: أي هجومٍ تعني؟! الهجوم ذا الضحايا الكثيرة الذي حدث في البلدان العربية؛ أمْ الهجوم ذا التعاطف الكبير الذي حدث في فرنسا؟! ولِمَ أتبرأ؟
المذيع الثاني -ساخرًا-: لأنك مسلم؛ ومنفذو الهجوم الإرهابي مسلمون. عبد الكريم -مندهشًا-: لكني ألماني؛ والشرطي الفرنسي الذي حاول منع الهجوم كان مسلمًا، والعامل الذي أنقذ اليهود في حادث صحيفة "شارلي إبدو" كان أيضًا مسلمًا!
المذيعة -بحرجٍ شديد-: ليس كل مسلمٍ إرهابيًّا؛ ولكن كل إرهابي مسلم، كذا عليك أن تتبرأ من تنظيم داعش. عبد الكريم -بإصرار-: بل أتبرأ من كل متطرف يشوه ديني الإسلام، ولكن ماذا عنكم أنتم؛ هل تبرأتم من النرويجي "برايفج" المسيحي الإرهابي عضو جماعة فِرسان المعبد؟
المذيع الأول -مُتهربًا من الجواب-: أنا مُلحد. المذيع الثاني-مستشعِرًا الحرج: وأنا مسيحي معتدل، نادرًا ما أذهب للكنيسة إلا لأجل أن أولادي يحبون زينتها.
عبد الكريم -مندهشًا-: وماذا عن أمريكا؛ حين يُقتل الأطباء الذين يقومون بعمليات الإجهاض بيد المتطرفين المسيحيين؟ المذيع الأول-مؤكدًا-: تلك حالات فردية.
عبد الكريم: وماذا عن "جوزيف كوفي" الذي ينشر عصابته المسلحة في أوغندا مذ العام ألفين وسِتة؛ وتقوم ميلشياته بخطف الأطفال واغتصاب النساء، وذبح آلاف الأبرياء بالسكاكين والمناجل؛ بهدف إقامة دولة مسيحية تتخذ من الوصايا العشر مرجعًا لها؟! المذيعة: هؤلاء متطرفون مسيحيون نتبرأ منهم؛ لأنهم يفسرون المسيحية طبقًا لأهوائهم.
عبد الكريم -بارتياحٍ بالِغ-: هكذا يفعل بعض ممن ينتسبون للإسلام؛ حالات فردية أيضًا، ثم أنتم ألمان لِمَ لَمْ تتبرأوا من النازية وجرائمها؟! مقدمو البرنامج الثلاثة يستشعرون الحرج؛ يدمدمون بكلماتٍ مُبهمة غير مفهومة، ثم يعلنونها صراحة: بمجرد وقوع حادثٍ إجراميٍّ فرديٍّ فإننا نضع مجموعة كاملة من الناس في دائرة الاشتباه والشك، وهذا خطأ فادح، ونحن من خلال هذا البرنامج نقول: لا تمييز بسبب الانتماء أو الدين أو الجنس؛ وهذا هو ردنا على هجمات باريس، فالإسلام جزء من ألمانيا التي تحترم كل المعتقدات.
ينهض المذيع الأول متحمسًا ليحضر حِجابًا إسلاميًّا؛ فترتديه زميلته؛ كنوعٍ من التضامن مع عبد الكريم المسلم، ينخرط الجمهور في حالة من الارتياح والتصفيق الحاد، وعلى الفور تَسطع أضواء الاستديو؛ ليرى جميع أطراف الحوار أنفسهم بجلاء؛ وابتسامة رضا تعلو الوجوه... تراهم ينتصرون للإسلام أم ينتصرون للموضوعية والحق والعدل واحترام المعتقدات كافة؟
------------------------
بقلم: حورية عبيدة .
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى
رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...
زهايمر!
هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...
لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟
إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...
الذبح لمن استطاع سبيلا
بعد سيطرة ضباط يوليو1952على مصر..وبعد انتشار(شعارات العروبة) والقومية العربية.. وتوأمتها الوحدة العر...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري