الأقباط وثورة يوليو
جمعتنى الظروف مع شاب مصرى مسيحى من بلدتنا ( القوصية ). ولما كنت فى العقد الثامن من عمرى فأنا اعرف والد هذا الشاب ( زميلا ) واعرف جده أيضا . كان جده يعمل كلافا ( يرعى الماشية سقيا واكلا وترويضا ) لدى بعض ملاك الأراضى المسيحيين فى القوصية . تعاملت مع والد الشاب فى الدراسة وكنا نتزامل فى ساندويتش الطعمية ذات التعريفة ( خمس مليمات والجنيه الف مليم ) !!!. حصل والده على بكالوريوس تجارة وأصبح مديرا لأحد البنوك. هذا الشاب طالب بكلية الطب .
تطرق الحوار إلى ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢
كنت أتصور أن هذا الشاب يدرك من خلال التواتر والحكايات التى سمعها من والده عن جده والمعاناة القاسية التى واجهها والده حيث كان يستعمل الملابس القديمة بعد استعمالها من أبناء الرجل الذى كان يعمل والده لديه كلافا !!!!
وعلى ذلك يدرك الدور الحقيقى الذى أحدثته ثورة يوليو لهذه الطبقة من المصريين والتى كانت تمثل الأغلبية الغالبة من المصريين.
ولكن صعقت من كلام هذا الشاب الذى أخذ يكيل من السباب الشتائم والمعلومات المغلوطة التى لا علاقة لها بأى حقيقة أو موضوعية !!! لعبد الناصر والثورة .
فماذا قال؟ قال أن عبد الناصر قد أمم مصانع واستولى على أراضى المسيحيين لأنهم كانوا هم المالك الأكبر والأهم للملكية الزراعية ولذا قضى على أى دور لهم !!! قال أن مصر كانت متقدمة وتمتلك اقتصادا قويا أهدره عبد الناصر واصبحنا شعبا متخلفا !!
قال أن ناصر أراد تغيير الهوية المصرية الفرعونية ( أصل المسيحية كما قال ) بهوية عربية إسلامية غيرت من انتماءاتنا للفرعونية إلى العربية الإسلامية !!! قال إن ناصر أدخلنا فى حروب مع إسرائيل وهى صاحبة الحق فى فلسطين فهى أرض الميعاد وأنهم هم شعب الله المختار الذى وعدهم بها !!!
استغربت كثيرا ليس لهذا الكلام المكرور الذى يتم ترديده وتوريثه دون فكر أو روية ولكن هى الأرضية الطائفية .
هنا لا نقول لهذا الشاب المغيب الناكر للجميل المنفصل عن طبقته والمتعالى على أصله نتيجة لأمراض نفسية باحثا عن ذات مغيبة .
أولا: الثورة لم تؤمم مصانع ولم تستولِ على أراضى المسيحيين دون غيرهم من الملاك. بل استولت حسب القانون على كل من تزيد ملكيته عن مائتى فدان سواء كان مسلما أو مسيحيا . الأهم إذا كان الموروث والمقصود التشويه على أرضية طائفية. نقول إن الاستثناء الوحيد الذى لم يطبق عليه قانون نزع الملكية كانت أراضى الدير المحرق بالقوصية الذى كان يمتلك خمسة آلاف فدان حينها !!!
ثانيا: كانت مصر متقدمة وحدث العكس بعد الثورة. هنا لا يحسن الحديث غير الأرقام الرسمية أي الدولية، وليست أرقام حكومة الثورة. تلك الأرقام التى سجلت للتاريخ أكبر نسبة نمو اقتصادى فى مرحلة الستينيات حسب تقارير المنظمات الدولية. أما على المستوى المعيشي فليسأل الشاب والده عن جده الذى لم يلبس حذاء طوال حياته ووالده الذى كان يمشى حافيا بعد خروجه من المدرسة حتى اليوم التالى !!!
ثالثا: أما الهوية المصرية فهى بيت القصيد. هذه القضية تمثل ذلك الموقف الطائفى المقيت من جانب المواطن المسيحى الطائفى والمسلم الطائفى. فكلاهما يقف عند حقبة تاريخية مسقطا باقى الحقبات. متناسين أن الحضارات تراكمية وتفاعليه وتكاملية. والحضارة المصرية حقبات متراكمة (مصرية قديمة ويونانية ورومانية وقبطية وإسلامية). وأن الشخصية الحضارية المصرية هى بنت تلك الحقبات تلك الشخصية المصرية الواحدة أيا كانت ديانتها. مع العلم أن الحقبات قبل القبطية هى حقبات مصرية، والأهم أن مايسمى بالحقبة القبطية تعنى المصرية ولا تعنى المسيحية لأنه لم يكن فى تاريخ مصر أى فترة زمنية سياسية يطلق عليها مسيحية. ( ولكنها الأوهام ). والاشكالية هنا تلك الجماعات الرافضة العروبة والعربية والإسلامية ويحلمون بل يتآمرون على الوطن بفكرة استبدال حضارة بحضارة أو لغة بلغة فهذا خيال مريض يهدد سلامة الوطن .
رابعا: أما حكاية شعب الله المختار. فهذه قضية خطيرة ممتدة ومتشعبة تاريخيا ونتيجة التفسيرات الخاطئة التى كانت نتيجة للاختراق اليهودى والصهيوني المسيحية (وهذا يحتاج إلى حديث منفصل) .
هنا نسأل: لماذا نشاهد هذه الحالات التى تدعى المعرفة وامتلاك المعلومات وهى لاعلاقة لها لا بمعلومة أو حقيقة. الأهم لماذا يأخذ الإنسان موقفا من من أخذ بيده وأوجد له فرصة الترقى الاجتماعى كمواطن حر له الحق فى هذا الترقى؟ أهى جينات العبودية مستقرة فى القاع الوجدانى؟ أهى حالة تمازج بين المستبد والمستغل وبين المستبد به والمستتبد ؟ هل تصور مريض أن ملكية من يستغلنى اقتصاديا وانسانيا هى ملكية شخصية لى؟ أم هى أحد امراض الأقليات بكل انواعها مستوياتها على مر التاريخ؟
يوليو انتهت عمليا بعد وفاة ناصر. ناصر توفى منذ أكثر من نصف قرن. فلماذا هذا الجدل الفارغ كل يوليو وكل مناسبة تخص يوليو وناصر؟ لأن يوليو وناصر سيظلا فكرة ومبدأ وموقف يصلحان طوال الوقت لكل أمل فى التحرر والاستقلال والتقدم والعدالة الاجتماعية التى لا تستقيم الأمور بدونها. حفظ الله مصر. شعبها العظيم . وكل عام ومصر والمصريين بكل الخير والسلام .
-------------------------
بقلم: جمال أسعد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية
شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...
درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان
السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...
حديث الإفك وكلاب السكك!
كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد
هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري