الأحد، 08 نوفمبر 2026 القاهرة 15.2°C
رئيس التحرير مجدي شندي
بقلم: كارم يحيى
الأسطورة بيليه .. هل كان مهددا من الحكم العسكري في بلاده؟

الأسطورة بيليه .. هل كان مهددا من الحكم العسكري في بلاده؟

رحم الله بيليه أسطورة كرة القدم العالمية القادم من أمريكا الجنوبية (البرازيل) كان وسيظل قطعة لا تنتزع من ذكريات جيلي .. وهنا في مصر.

عندما بلغت 14 سنة جاء بيليه إلى القاهرة ليلعب مباراة ودية مع "الأهلى" انتهت بفوز فريقه " سانتوس " البرازيلي بخمسة أهداف للاشيء. وكلها جاءت في الشوط الثاني.

ولن يمحى من ذاكرتي منذ تابعت المباراة في بيت أمي وأبي عبر شاشة التلفزيون العربي (المصري) الأبيض والأسود "بتعليق الكابتن محمد لطيف" ، لن يمحى مشهد بيليه بعد دقائق عديدة من الشوط الثاني وهو يرفع ذراعه لأعلى ويده تشير بـ "هيا .. ياللا".

وبعدها تماما تهاطلت الأهداف على مرمى النادي الأهلى، وكأنه كان يبلغ فريقه بأن "زمن مجاملة المضيف " قد انتهى ، وبأننا عملنا معه واجب رد الجميل وكفى.. و"علينا الآن العمل".

كان الهدف الأول بالنسبة لي غريبا ساحرا، أحتفظ به لليوم في ذاكرتي. الجناح الأيسر وربما الأيمن "إيدو" يلعب ضربة حرة من "فاول" على هيئة قوس " موزة"، فتدخل مرمى الأهلى على نحو لم يكن متصورا ، لصعوبة زاوية التصويب وتطرف موقع الضربة.

وربما كانت " الشوطة الموزة" حينها مصطلح يبتدعه للمرة الأولى المذيع المحبوب شعبيا ، على نحو يتخطى العصبيات الكروية كابتن "لطيف"، وعلى الرغم من أنه من رموز الأقلية الأكبر "الزمالكاوية" و مقارنة بأغلبية " الأهلاوية".

وبعدها أحرز بيليه بنفسه هدفين، كان قد وعد قبل المباراة بهما.

...

كان  بيلية  بالنسبة لنا في هذه السنوات وعبر الصحف المصرية الورقية محدودة الأوراق نتيجة ظروف الحرب والاستعداد لإزالة آثار العدوان وصفحاتها الرياضية بمثابة رمز وبطل من عالم الجنوب. وكأنه "علامة عالمية مسجلة" تنتمي إلى الأفارقة أصحاب البشرة السمراء. هو يأتي أيضا من عالم مازال إرث الاستعمار والتحرر منه يشغله بقوة.

وكان عدد من الدول الأفريقية مازال يجاهد حينها لنيل الاستقلال الوطني، وكنا إلى جانب قضيتنا الأولى فلسطين وتحرير سيناء وكافة الأراضي العربية المحتلة نتابع منذ طفولتنا عبر الصحف وموجات الراديو ونشرات التلفزيون هذا العالم الصاخب بهذه الصراعات والتضحيات والرموز. 

فقد نضجت مع جيلي مبكرا مع هزيمة 1967 ، وعمري أقل من تسع سنوات حين حلت الكارثة الكاشفة.

...

ولا أذكر أنني كنت واعيا بما ترزح تحته البرازيل من حكم عسكري دكتاتوري بغيض ودموي للجنرالات ومدعوم من الرأسمالية الأمريكية ، حين جاء "بيليه" ليلعب في القاهرة عام 1972، ويهزم بكل هذه الأهداف الجميلة النادي الأهلى الذي لا أشجعه.

وفيما بعد بعقود قرأت عن إنه كان يتجنب السياسة، ويؤخذ عليه صمته إزاء الدكتاتورية في بلاده وسائر مجتمعات أمريكا اللاتينية ، وربما كان خائفا بدوره. وربما قام الجنرالات (في تلك الفترة حكموا بين 64 و 1985) بتوظيفه في بلاده لإذكاء "وطنية زائفة مصطنعة" ، وبدورنا قاسينا منها ومازلنا في مجتمعاتنا بالمنطقة العربية لليوم . 

وبالطبع لم أكن حين جاء للقاهرة قد قرأت بعد كتاب "إدوارد جاليانو" بترجمة صالح علماني إلى العربية "كرة القدم بين الشمس والظل"، أو حتى رواية "باغندا" للأديب التونسي "شكرى المبخوت" عن الاختفاء الغامض المريب لنجم الكرة الشهير والأسمر اللون أيضا في بلاده خلال زمن الدكتاتورية.

ولم أكن بالطبع كتبت مقالا في موقع "بالأحمر" الإلكتروني المحجوب في مصر تحت عنوان :"مبروك للترجي وهارد لك للأهلى : محاولة لقراءة أبعد من مباراة كرة قدم". وقد تساءلت بين سطوره عن العلاقة بين جماهيرية أندية الناس العباد (الغلابة / الزوالي) وبين اعتبارها "دولة". تلك الكلمة المشحونة بظلال الصلة الأوثق بالسلطة والحكام و" القطط السمان" و"ديناصورات السياسة ". 

وفي هذا السياق تنبهت إلى أن فرق كرة قدم شعبية طالما كانت هدفا لسطوة الطغاة. وفي النادي الملكي الأسباني "ريال مدريد" خير مثال خلال عهد الدكتاتور "فرانشسكو فرانكو". كان ناديه المفضل في أوج تفوق وتألق فريقه لكرة القدم زمن نجومه "بوشكاش" و"دي استيفانو" و"خنتو" بين عقدي الخمسينيات والستينيات بالقرن العشرين. وكذا كان حال ديكتاتور شيلي "أوجستو بينوشيه" الذي فرض نفسه على رئاسة أوسع الأندية شعبية في بلاده "كولو كولو"

 .. أقول ربما كان "بيليه" خائفا بدوره على حياته وعائلته وموهبته من دكتاتورية  جنرالات البرازيل* . 

أقول ربما، لكني على يقين بأن هذا الصبي الذي كنته في عام 1972 ، كان على وعي بأن بيليه  شديد القرب من انحيازاته وميوله الاجتماعية. وقريب جدا هنامنا في مصر والوطن العربي وأفريقيا . 

...

كنت أعلم أنه عانى في طفولته من الفقر والحرمان ، وأنه اشتغل ماسحا للأحذية في شوارع مدن البرازيل. 

لعلني كنت حينها وقبل أن يلعب على استاد (ناصر / القاهرة) ويسجل هدفيه الساحرين المشفوعين في الذاكرة بآهات صوت كابتن "لطيف" المميز المحبوب أراه في المعاناة والحركة  الدائمة الدؤوبة للكثير من الأطفال ماسحي الأحذية في شارع "التروماي" بالعباسية بين عقدي الستينيات والسبعينيات. وهم يتنقلون بصناديقهم وجلاليبهم المتسخة الممزقة بين ضفتي الشارع الوسيع أمام بيت تسكنه جدتي لأمي. وهذا بينما كنا نقرأ في مدارسنا الحكومية عن "ثورة " و"دولة " ترفعان شعارات "الاشتراكية" و" الديمقراطية الاجتماعية" و"تحالف قوى الشعب العامل " و" تذويب الفوارق بين الطبقات" و"إرفع رأسك يا أخي".. الخ.

..  وظل الأطفال ممسكين بذاكراتي لليوم يتنقلون أمامي بحثا عن زبون (بيه) قد يتوقف ليلمع حذاءه ، مخاطرين بحيواتهم البائسة المعذبة بالقفز أمام وبين وعربات "التروماي" المسرعة. 

ولا أعرف هل شاهدت فيلما في دار للسينما بعنوان "ماسح الأحذية" قبل قدوم بيليه للقاهرة أم كان هذا بعده بقليل؟. وربما كان الفيلم للمخرج الإيطالي "فيتريو دي سيكا" .. ربما. 

كل ما أتذكر اليوم عن هذا الفيلم أنه كان كنقل وبث مباراة "سانتوس" و"الأهلى" بالأبيض والأسود، وأنني خرجت من السينما باكيا غاضبا.

...

بعدما علمت صباح 30 ديسمبر 2022 ومن القاهرة برحيله عن 82 سنة ، تمعنت فيما أدرك الآن بأنه لعب لعلم البرازيل وعمره 15 أو 16 سنة ، وأنه يكبرني بنحو 18 سنة فقط. ومع هذا استطاع أن يمتعني ويبهرني وجيلي على بعد آلاف الأميال ومن القاهرة.

...

رحم الله بيليه ، كان من رموز عالم الستينيات والسبعيينات التي تعلقنا بها مع "محمد على كلاى " و"إرنستو تشي جيفارا" و"بن بركة " و"بن بله" و"جورج حبش" و"عرفات". واسماء فدائيات وفدائيي الثورة الفلسطينية بلا حصر.. وأيضا "مانديلا".

كان هذا هو بالنسبة لي عصر الجماهير التي تملأ ساحات السياسة وملاعب كرة القدم. 

..  وفي  ليلة وفاة بيليه كنت أشاهد ملاعب تكاد تخلو من الجمهور في مباراة محلية تنقلها قنوات التلفزيون. وفي الصباح عندما علمت برحيله واستعنت بتكنولوجيا عصر ثورة معلومات القرن الحادي والعشرين في مشاهدة "فيديوهات" على شبكة الإنترنت عن مباراة "الأهلى" و"سانتوس" على استاد (ناصر / القاهرة) 1972 الحت على الذهن عبارة لـ "جاليانو" في كتابه، تقول: "يعرف اللاعبون بدورهم بأن اللعب بدون تشجيع أشبه بالرقص دون موسيقي".

.. وحينها قلت لنفسي: رحم الله بيليه لعله استمتع أيضا بقدر ما أمتعنا.
---------------------------
بقلم: كارم يحيى

(* في 2011 نقلت صحيفة "او استادو دي ساو باولو" عن وثائق سرية، أن أسطورة كرة القدم البرازيلي بيليه لم يسلم من تحقيقات الشرطة السياسية خلال الحكم العسكري وأشارت الصحيفة التي اخترقت مستندات تتعلق بالقسم السياسي والاجتماعي للشرطة في مدينة سانتوس، إلى فتح ملف في سبعينيات القرن الماضي يخص إديسون أرانتسدو ناسيمينتو (بيليه) ويحمل ملف التحقيقات المتعلقة ببيليه الرقم 4331 ويشمل 45 الف باب و11 الف و666 مستند ، وتم اكتشافه بالصدفة في مارس 2010 في غرفة بمقر شرطة سانتوس.

وفي عام 2014 نشرت صحيفة ''يو أو إل'' البرازيلية وثائق تؤكد أن بيليه أسطورة كرة القدم العالمية خضع للتحقيق من قبل ''البوليس السياسي'' أثناء فترة الحكم الديكتاتوري في البرازيل عام 1970 عقب تلقيه رسالة من بعض المسجونين السياسيين في تلك الحقبة ينشدون فيها مساعدته للخروج من محبسهم. وأفاد التقرير أن بيليه لم يتسلم الرسالة فعليا، حيث أنها وقعت ابتداء في يد خوليو مازي مدرب اللياقة البدنية لفريق سانتوس، الذي قام بدوره بتسليمها إلى السلطات المختصة في ساو باولو. وتسببت تلك الواقعة في فتح تحقيق مطول في 21 أكتوبر عام 1970 مع بيليه الذي أنكر استلامه للرسالة المذكورة، كما أكد أنه ضد الشيوعية ولذا فإنه دائما ما كان يمتنع عن تقديم يد العون إلى الحركات المناهضة للحكم العسكري. 

وذكر التقرير التي نشرته ''يو أو إل'' أن اللاعب البرازيلي السابق أكد أن بعض الموالين للمعارضة الشيوعية تواصلوا معه أثناء اشتراكه في بعض المباريات الدولية أمام المكسيك وكولومبيا للتوقيع على وثيقة مناهضة للحكومة في ذلك الوقت، إلا أنه رفض الأمر بشكل قاطع كونه معارضا للشيوعية. وأشارت الصحيفة أن بيليه كان يقول دائما أنه وهب نفسه إلى رياضته المفضلة ولا يرغب في أي يقحم نفسه في أي مشاكل تتعلق بعالم السياسة.)

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة08:13
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
15.2°C
توقعات الساعات القادمة
15.2°C
16.2°C
18.5°C
20.6°C
21.4°C
22.5°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
وسط البلد الباهر!

وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....

البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي

خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...

"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست

لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,068ج.م
عيار 21
6,184ج.م
عيار 18
5,301ج.م
الجنيه الذهب
49,472ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...