اغتيالُ الأئمة !
فارقٌ كبير بين المنهج، وهو الطريقُ الواضحُ البيّن، أو القضيةُ التى تبدأ وتنتهى فى رأس الداعية، وبين الوسيلة التى تحملُ هذا المنهج وتُوصله للمُستمع.
وبناء عليه فإنه إذا كان من حق وزارة الأوقاف تحديدُ المنهج الخطابى بغرض تطوير الخطاب الدينى وتحقيق الانضباط فى الخطبة، وعدم الزج بها فى قضايا سياسية تُثير اللغط وتنشرُ البلبلة، فإنه ليس من حقها تحديدُ وسيلة نقل هذا المنهج لأن فى هذا ضررا بالمُتلقى والمُبلِّغ (أى الخطيب) فى آن واحد !
فما إن تقبَّل المُهتمون بشأن الدعوة - على مضض - قرار وزارة الأوقاف قصر الخطابة على الأزهريين، وتجريم اعتلاء غير الأزهريين المنبر لإلقاء خطبة الجمعة حتي ولو كانوا يحملون أعلى الشهادات العلمية، حتى فوجئنا بقرارها المُطالِب بتوحيد الخطبة وإلقائها مكتوبة أمام الجمهور من أعلى المنابر فى شتى مساجد الجمهورية.
وتبرير الوزارة بأن فى ذلك صونا لحمى الدين، وبأنه يُسهم فى تطوير الخطاب الدينى ويُحقق الانضباط، مردودٌ عليه، إذ كيف ننشد تطويرا من خلال وسيلة تقتلُ الابتكار وتئد الارتجال فى مهده !
إن إلقاء الخطبة بهذا الشكل سيُمثل عبئا على عقول الأئمة، إذ سيجعلهم أشبه بقطار يسير على قضبان مُحددة لا يمكن تجاوزها ؛ مما يقتل روح الإبداع لدى الخطيب، الذى كان من قبل يتفننُ فى استخدام الطرق لتوصيل المعنى !
بل سيصير خطيبُ الجمعة بموجب هذا القرار أشبه بالراديو أو التلفاز الذى يُردد المعلومة دون الإبحار والغوص فى روح المعنى، مما تستحيلُ معه نصوصُ الشرع إلى قوالب صماء يتلقاها المرءُ دون تدبر وتفكر وهما معنيان من أسمى غايات الشرع.
وحسنا فعلت وزارة الأوقاف بتراجعها عن شرط إلقاء الخطبة مكتوبة، وذلك بفضل جهود المخلصين من المهتمين بأمر الدعوة. وأري ككاتب أن هذا التراجع من وزارة الأوقاف يُثمنُ من وجوه :
أولها أن تمسكها بهذا الشرط فيه قتلٌ للعلم، وتهميشٌ لدور الخطباء، الذى قد يُنافسهم فيه أصحابُ الحرف الأخرى ما داموا يستطيعون القراءة والكتابة !
فضلا عن أن تمسك الوزارة بهذا الشرط - الذي صار في خبر كان - يُلحق الضررَ بالخطيب، كما يُلحقه بالمُتلقى؛ لأن الناس تتفاوت فى الأفهام والعقول، فمنهم من تنجح معه الوسيلةُ المكتوبة، ومنهم من لا تُشفى تلك الوسيلة غُلته، ويحتاجُ إلى شرح وإعادة، وبعد الإعادة زيادة؛ لهذا أُثر : خاطبوا الناس على قدر عقولهم .
وإذا كانت الخطابةُ هى فنَ مشافهة الجمهور للتأثير عليهم واستمالتهم، فإن قرار إلقاء الخطبة مكتوبة هو أول مسمار فى نعش الخطابة، ونحمد للوزارة تراجعها الشجاع قبل تشييع الخطابة إلي مثواها الأخير !
وأخيرا دعونا نتفق على أن رغبة وزارة الأوقاف فى تجديد الخطاب الدينى، وعدم اتخاذ منابر المساجد مسارح لترويج الأفكار السياسية لن تتحقق بفرض الخطبة المكتوبة، بل بتوعية الأئمة، وصقلهم عن طريق دورات تدريبية تُنمى روح المواطنة والإبداع، ولا مانع في توحيد الخُطبة شريطة أن تكون مواكبة لروح العصر، مُبرزة لمشاكل المجتمع مع طرح حلول لها، هذا بالإضافة إلى تغليظ العقوبة على من يُخالف ذلك من الخطباء، والتى قد تصل بجانب الغرامة إلى المنع من الخطابة؛ وذلك عن طريق إلزام الخُطباء بتسجيل الخطبة ورفعها للمسئولين؛ للاستماع إليها لإثابة المُلتزم والأخذ على يد المُخالف، وغيرها من الحلول التى تحول بيننا وبين اغتيال الأئمة.
-----------------------
بقلم: صبري الموجي
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
حديث الإفك وكلاب السكك!
كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)
تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...
الذبح لمن استطاع سبيلا
بعد سيطرة ضباط يوليو1952على مصر..وبعد انتشار(شعارات العروبة) والقومية العربية.. وتوأمتها الوحدة العر...
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد
هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري