إلى وزير التربية والتعليم.. ماذا يحدث للطفل بعد الثالثة عصرًا؟
معالي الوزير؛ أعلم أن إصلاح التعليم ليس ملفًا بسيطًا يمكن التعامل معه بقرار واحد، وإنما أزمة ثقيلة تبدأ من كثافات الفصول وعجز المعلمين، مرورًا بالحضور والانصراف وتطوير نظم التقييم، وصولًا إلى إعادة النظر في نظام المرحلة الثانوية.
لكن وسط كل هذه الملفات، هناك سؤال يحتاج إلى مساحة أكبر في نقاش إصلاح التعليم:
ماذا يحدث للطفل بعد الثالثة عصرًا؟
فالمدرسة ينتهي يومها ويعود الجميع إلى منازلهم استعدادًا لليوم التالي كأي موظف، بينما الطفل قد ينتهي يومه الدراسي في المدرسة، لكنه لا ينتهي في الحقيقة.
يعود بعد ساعات طويلة قضاها في المدرسة، ثم تبدأ جولة أخرى: واجبات ومراجعة للتقييمات، وربما درس خصوصي أو مجموعة أو حصة إضافية، ثم النوم، وفي اليوم التالي يبدأ كل شيء من جديد.
وهنا لا أتحدث عن طالب في الثانوية العامة يخوض سباقًا مع امتحان مصيري، وإنما عن أطفال في سنواتهم الأولى من التعليم، وهذه تحديدًا هي النقطة التي تستحق أن نتوقف عندها.
يمكن أن نختلف حول حجم الواجبات وعدد ساعات الدراسة، لكن هناك حقيقة بسيطة: الطفل يحتاج إلى أن يكون طفلًا.
يحتاج إلى النوم واللعب، والتحدث مع أسرته، وقراءة ما يحب، ووقت يكتشف فيه العالم بعيدًا عن الكتاب والكراسة والتقييمات.
لكن عندما يتحول اليوم بأكمله إلى "تعلم" متواصل، علينا أن نسأل: هل نبني علاقة صحية بين الطفل والتعليم، أم نجعل التعليم مصدرًا للإرهاق والنفور؟
المشكلة ليست في الواجب المنزلي القصير الذي يثبت فهم الطفل، وإنما في العبء التعليمي الكامل الذي يُضاف إلى يومه. والخطأ ليس على المعلم أو المدرسة، وإنما في منظومة لم تنظر إلى الطالب والمعلم والمدرسة والمجتمع كبناء واحد، حتى أصبح الذهاب إلى المدرسة عند البعض ضرورة للحصول على شهادة فقط، دون الاهتمام بتحصيل حقيقي للمعرفة.
هل تعلم يا معالي الوزير أن طفل الصف الأول الابتدائي قد يبدأ منذ سنواته الأولى في تلقي دروس إضافية في الرياضيات والإنجليزية وربما باقي المواد؟
الدروس الخصوصية ليست ظاهرة جديدة، ولا يمكن تحميل وزارة واحدة مسؤولية تاريخ طويل من الاعتماد عليها، لكن ماذا يعني أن يحتاج الطفل إلى تعليم إضافي خارج المدرسة منذ الصفوف الأولى؟
الدرس الخصوصي في الثانوية قد يرتبط بضغوط المجموع والامتحانات، أما احتياج طفل صغير إلى مدرس خاص فيطرح سؤالًا عن الثقة في قدرة المناهج على أداء وظيفتها الأساسية: التعليم.
وماذا عن المعلم؟
لا يمكن الحديث عن إصلاح التعليم دون الحديث عنه، فليس المهم كم دورة حصل عليها، وإنما ماذا تغير داخل الفصل: هل أصبح قادرًا على اكتشاف من لم يفهم؟ هل يستطيع التعامل مع الفروق الفردية؟ هل تغيرت طريقة الشرح من التلقين إلى الفهم؟
فتدريب المعلم لا تكتمل قيمته بشهادة يحصل عليها، وإنما بما ينعكس على الطفل الذي يجلس أمامه.
أما عن شكاوى أولياء الأمور؛
قد يقول البعض إن الشكاوى من المناهج والواجبات والدروس وكثافة اليوم الدراسي تتكرر كل عام، لكن تكرار الشكوى لا يجعل المشكلة وهمًا.
خلف كل منشور أسرة حقيقية، وطفل يعود إلى منزله منهكًا قبل أن يبدأ ما يفترض أن يكون "واجبًا منزليًا"، ثم يجد أمامه ساعات أخرى من التعلم حتى موعد النوم.
لذلك لا يصبح السؤال: لماذا يشتكي أولياء الأمور؟ بل: لماذا تتكرر الشكوى نفسها إذا كانت المنظومة تسير في الاتجاه الصحيح؟
ليس المطلوب أن تُدار سياسات التعليم وفق كل شكوى فردية، لكن أيضًا لا ينبغي أن تتحول كثرة الشكاوى إلى سبب لتجاهلها.
دعوة
أدعوك معالي الوزير إلى زيارة غير رسمية لأي مدرسة في طريقك اليومي، دون تنسيق مسبق، والدخول إلى أي فصل وسؤال الطلاب عن المادة التي يدرسونها. انظر كم طفلًا سيعرف الإجابة، ثم اسأله: هل تعلمتها في المدرسة أم في الدرس الخصوصي؟ واسأله عن يومه العادي كيف يقضيه، واكتشف بنفسك حقيقة ما يقوله أولياء الأمور؛ ولكن أتمنى أن تحرص ألا يتدخل أحد الموجودين في إجابات الطفل سواء بالنظر أو بالتلقين.
ومن المهم تطوير المرحلة الثانوية والامتحانات والتقييم، لكن الطفل الذي قضى سنواته الأولى يتعلم حفظ الإجابة الصحيحة، ثم نطلب منه فجأة أن يفكر ويحلل ويستنتج، سيحتاج إلى وقت حتى يتغير.
فالطالب الذي نريد أن نراه في الثانوية يجب أن نبدأ في بنائه منذ الصف الأول.
إذا كنا نريد طالبًا يفكر، فعلينا أن نربيه على التفكير. وإذا كنا نريد طالبًا يحب المعرفة، فعلينا ألا نجعلها مرتبطة طوال الوقت بالواجب والدرجات والامتحان.
وفي الحقيقة؛ هناك أسئلة أهم من أرقام الحضور والكثافات والامتحانات:
كم ساعة يقضيها الطفل في التعلم إجمالًا كل يوم؟ كم منها داخل المدرسة وخارجها؟ كم طفلًا يحتاج إلى درس خصوصي حتى يفهم؟ كم طفلًا يعود إلى منزله ولديه وقت للعب؟ وكم طفلًا، في نهاية كل ذلك، ما زال يحب أن يتعلم؟
التعليم الناجح ليس فقط أن نُدخل الطفل إلى المدرسة، ولا أن نغير شكل الامتحان أو الجدول، وإنما أن يخرج الطفل من المدرسة وقد تعلم شيئًا، دون أن يخرج منها وقد فقد رغبته في التعلم.
وهنا ربما يكون السؤال الأهم لوزارة التعليم:
كيف نجعل الطفل يتعلم أفضل.. دون أن نطلب منه أن يتوقف عن كونه طفلًا؟
-----------------------------
بقلم: إيمان جمعة
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس
سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...
بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية
شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة
نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...
هل يقبل محمد الباز التحدي؟
في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري