الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 25.8°C
رئيس التحرير مجدي شندي
أيقونة النضال الأممي | منظمة التحرير الفلسطينية عباءة الهوية الوطنية التي صنعت من "الكوفية" هوية بصرية أممية للتحرر

أيقونة النضال الأممي | منظمة التحرير الفلسطينية عباءة الهوية الوطنية التي صنعت من "الكوفية" هوية بصرية أممية للتحرر

منظمة التحرير الفلسطينية لم تكن مجرد رقم في معادلة التنظيمات السياسية بل وُلدت لتكون العباءة الجامعة للشعب الفلسطيني والكيان الذي استعاد الهوية الوطنية من وسط ركام التشتت ووصاية التاريخ.

في لحظة فارقة نجحت المنظمة في تحويل مظلومية الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية من مجرد "ملف إنساني للاجئين" إلى قضية تحرر وطني يُشار إليها ويُعترف بها كحق أصيل في تقرير المصير.

حيث تتحرك في أرض الواقع على قدمين الأولى سياسية ودبلوماسية بمرجعية دستورية عن طريق المنبع الذي استمدت منه السلطة الوطنية شرعيتها واللسان الرسمي الذي يخاطب العالم تحت قبة الأمم المتحدة ويوقع الاتفاقيات باسم الفلسطينيين أينما وجدوا.

أما الثانية فمؤسسية إنسانية، تجلت في امتاداد أذرعها عبر دوائرها المتخصصة كالصندوق القومي والهلال الأحمر ودائرة شؤون اللاجئين لترعى ملايين الفلسطينيين في مخيمات الشتات وتحمي وجودهم الاجتماعي والسياسي من التهميش أو الذوبان.

أما عن صناعة الهوية البصرية

الكوفية الفلسطينية [ الحطة ] لم تكن يوماً مجرد قطعة قماش تستخدم في الريف والبادية بل هوية صيغت عبر عقود من الكفاح الوطني عابرة للحدود الجغرافية لتستقر في الوجدان الإنساني العالمي كواحدة من أعمق الأيقونات البصرية دلالةً على الرفض المطلق للظلم والوقوف الصلب في صف المقهورين.

ورغم محاولات العبث بالرمز أو تفريغه أحياناً في قوالب استهلاكية عابرة تظل الكوفية شاهدة حيّة على هندسة بصرية وسياسية فريدة قادتها الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية وحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" لتحويل تفاصيل الهوية المحلية إلى لغة عالمية مشتركة للتحرّر.

فمن خنادق التمرد المحلي إلى جغرافيا الوعي الجمعي، بدأت رحلة التحول الرمزي الكبرى للكوفية في أتون الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939)، حين فرضت الضرورة النضالية عام 1938 على أهالي المدن ارتداء الكوفية بدلاً من الطربوش الطبقي لم يكن ذلك مجرد تغيير في الأزياء، بل كان قراراً سياسياً شعبوياً جريئاً لكسر الحواجز الاجتماعية وتضليل آلة القمع الاستعمارية البريطانية لتوحيد الجبهات الشعبية تحت هوية كفاحية واحدة.

هذه البذرة الأولى التي ربطت الكوفية بالطبقات الكادحة وروح التمرد هي التي مهدت لاحقاً لاحتضانها عالمياً غير أن النقلة النوعية الكبرى نحو "الأممية" تدرّجت بوعي وبصيرة من خلال الدبلوماسية الثورية التي قادتها منظمة التحرير الفلسطينية في حقبتي الستينيات والسبعينيات.

هندسة التدويل وبناء التحالفات

لم تنتشر الكوفية صدفةً بل كانت نتاجاً حياً لخطاب تحرري عابر للقارات تبنته منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها التي تعي متى وكيف تبدل أدواتها المقاومة ولا تترك وسيلة إلا وتستثمرها لخدمة القضية فقد نسجت من خلال الدبلوماسية الثورية شبكة تحالفات استراتيجية مع حركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

لحظة الأمم المتحدة الفارقة (1974) 

حين اعتلى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات 'أبو عمار' منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر  1974 ممسكاً بغصن الزيتون وبندقية الثائر ومكللاً كاهله بالكوفية الفلسطينية لم يكن يخاطب الدبلوماسيين وحدهم، بل كان يبرق برسالة بصرية فورية إلى شعوب الأرض قاطبة - لقد كرست تلك اللحظة التلفزيونية الكوفية في العقل الجمعي العالمي كـ 'زي رسمي' لعدالة القضية وللشرعية الثورية.

جسور التضامن العابرة للقارات 

تحولت مكاتب منظمة التحرير وقواعدها في بيروت والعواصم المؤيدة للثورة إلى قِبلة للمتضامنين والأحرار واليساريين الدوليين وعاد أولئك المتطوعون إلى بلدانهم حاملين الكوفية كوثيقة انتماء سياسي وأخلاقي رابطين بين نضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال وبين معارك شعوبهم ضد الإمبريالية والفصل العنصري.

الأيقونة العابرة للحدود

حين التقت فلسطين بأحرار العالم بفعل هذا الاشتباك النضالي غدت الكوفية في الوعي اليساري والتقدمي العالمي المعادل الموضوعي للرفض المبدئي للاستبداد وتجلّت أعمق صور هذا الالتصاق الأممي في الموقف التاريخي الخالد للزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا حين أعلن بكلمات حاسمة (نحن نعلم جيداً أن حريتنا ناقصة بدون حرية الفلسطينيين).

لقد تجاوزت الكوفية إطارها الجغرافي الضيق لتصبح 'الهوية البصرية' الموحدة لكل حركات الاحتجاج الطلابي ومناهضي الحروب ونشطاء العدالة الاجتماعية في عواصم صنع القرار الغربي وفي كل محطة تاريخية كانت الكوفية تُستدعى ليس كقطعة إكسسوار بل كإعلان سياسي واعي ينحاز للحق الإنساني الأصيل في تقرير المصير.

واليوم، ورغم ما يمر به المشهد الوطني من تحديات تفرز ضرورة ملحة لإعادة التفعيل وتطوير المؤسسات وضم كافة القوى الوطنية تحت سقف واحد تظل منظمة التحرير صمام الأمان القانوني والحصن السياسي المتين الذي يحفظ للكيانية الفلسطينية استقلالها وللصوت الفلسطيني أصداءه أمام العالم.

وتظل الكوفية الفلسطينية حتى اليوم زاهيةً بابتكارها النضالي ومتوهجة في الميادين والجامعات العالمية كدليل قاطع على أن الرمزية الحقيقية لا تصنعها دور الأزياء بل تصنعها دماء التضحيات وصلابة الإرادة السياسية.

لقد نجحت منظمة التحرير الفلسطينية في صناعة عباءة الهوية الوطنية ونقل الكوفية من خبايا الريف الفلسطيني إلى ضمير العالم، لتبقى خريطة بصرية لا تمحى تذكّر البشرية جمعاء بأن قضية فلسطين هي البوصلة الأخلاقية للضمير الإنساني العالمي حتى تتحقق الحرية والعدالة الناجزة.

"لا أحد حر حتى يتحرر"

"حرر نفسك"

"حرر عقلك"
----------------------------
بقلم: حاتم نظمي


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:39
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
25.0°C
توقعات الساعات القادمة
25.0°C
24.1°C
23.6°C
22.7°C
21.7°C
21.0°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟

إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...

مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها

شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...

البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي

خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...