أفيون التكنولوجيا في عصر المخدر الرقمي
في سجل الحضارات الغابر، كانت الشعوب تبحث عن الخلاص في الأساطير أو في الأيديولوجيات الكبرى، بحثاً عن معنى يتجاوز ضيق اللحظة.
أما نحن فقد صغنا سجننا بأيدينا؛ لأننا لا نعيش في عصر المعرفة كما يشاع، بل نغرق في عصر التخدير الرقمي.
لقد تحول الضوء المنبعث من شاشاتنا إلى أفيون حديث، يغيب وعينا ويحول وجودنا من تجربة إنسانية عميقة إلى مجرد استجابات شرطية لخوارزمياتٍ لا تعرف الرحمة.
وفي هذا الصخب والضجيج، نغفل عما يجري في أعماق بيوتنا.
تخيل مشهدًا لشخص يجلس في غرفة مظلمة، وجهه شاحب، عيناه حمراوان، وأصابعه ترتجف لا إراديًا وكل ثلاث دقائق يمد يده بلهفة ليتفقد جرعته من المخدر الرقمي المتمثل في السوشيال ميديا وغيره.
هو لم ينم منذ يومين، وقلقه الحقيقي ليس لأن قلبه يئن أو لأن واقع حياته ينهار، بل لأن بطارية هاتفه وصلت إلى 5%! هذا ليس مشهدًا من فيلم سينمائي عن الإدمان، بل هذا هو واقعنا اليوم؛ هذا أنا وأنت، في كل ليلة، مع هذا التصفح الذي لا ينتهي.
نحن أمام أفيون جديد للشعوب ولطالما قال كارل ماركس إن الدين هو أفيون الشعوب، معتبرًا إياه وسيلة لتهدئة آلام الجماهير وصرفهم عن واقعهم المرير.
واليوم نجد أنفسنا أمام أفيون جديد أكثر فتكاً وأسرع انتشاراً؛ ألا وهو أفيون التكنولوجيا.
ولقد استبدلنا الإبرة بالشاشة، والنشوة الكيميائية بالنشوة الرقمية، لكن الإدمان واحد، والنتيجة واحدة هروب من الوعي، وتخدير للذات، وضياع في متاهات الافتراضي على حساب الحقيقي.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد فلو نظرنا إلى حال الثقافة والهوية بين الأمس واليوم، سنجد أننا كنا نعيش في زمن العمق، حيث كانت الهوية تتشكل من خلال التجارب الحقيقية، والقراءة، والحوارات التي تحمل روحاً وفكراً.
أما اليوم، وفي عصر المخدر الرقمي، تحولت الثقافة إلى استهلاك سريع ولم تعد الهوية رحلة لاكتشاف الذات، بل صارت صورة نعدلها لننال بها إعجاب الآخرين.
و لقد استبدلنا هذه الرحلة بما يطلق عليه "الترند" الذي يملأ حياتنا ضجيجاً، وأصبحنا غارقين في السطحية، حيث صار تقييم الإنسان يعتمد على تفاعله الرقمي لا على عمق وجوده الحقيقي.
بعد أن استعرضنا هذا الواقع، نصل إلى النهاية التي لا يمكن الهروب منها نحن لسنا مستخدمين بل نحن المستهلكون.
إن المعضلة ليست في وجود التكنولوجيا ذاتها، بل في أنها سلبتنا القدرة على الحضور.
و لقد أصبحنا أشباحاً رقمية تطارد إشعارات لا تنتهي، بينما تتسرب الحياة الحقيقية من بين أصابعنا.
و هذا هو الفارق الوحيد بين أن تعيش حياتك، أو أن تترك الآخرين (والخوارزميات) يعيشونها نيابة عنك.
-----------------------------------------
بقلم: أسامة محمد
باحث بقسم الفلسفة بآداب العاصمة.
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي
"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست
لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد
هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...
البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"
لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري