الجمعة، 06 نوفمبر 2026 القاهرة 20.8°C
رئيس التحرير مجدي شندي
أزمة كورونا المالية العالمية.. التاريخ يعيد نفسه

أزمة كورونا المالية العالمية.. التاريخ يعيد نفسه

ربما يكون الإثنين الماضي العشرين من أبريل 2020 يوماً أسوداً جديداً في التاريخ الأمريكي المعاصر، على غرار الثلاثاء الأسود الشهير الذي شهد بداية الانهيار الكبير او الكساد الكبير في الأدبيات المالية العالمية في أكتوبر 1929م، ذلك العام الذي حدثت فيه الأزمة الاقتصادية الفارقة في تاريخ العالم وكان تأثيرها مدمراً على كل دول العالم بلا استثناء الفقيرة منها والغنية، وانخفضت تبعاً لها متوسطات المداخيل الفردية، وتضاءلت فرص العمل بمنحنى حاد جداً نتيجة توقف القطاعات الانتاجية والمصانع عن العمل. 

والمعلوم أنّه عندما تختل العلاقة بين العرض والطلب في ظل انعدام الرقابة تحدث ما يمكن تسميته بالفوضى الاقتصادية وتكون نتيجتها الحتمية ازمة داخل الدولة الرأسمالية ذلك أنّ الأنظمة المتبعة في الاقتصادات الحرة ترفض ان تتدخل الدولة للرقابة والتوجيه للحد من نشاطات الأفراد الاقتصادية، وتتيح لأصحاب الاعمال مساحات واسعة في كيفية استثمار أموالهم والتقرير بشأن ما ينتجون كماً ونوعاً، وهذا من شأنه أن يضاعف الإنتاج بسبب حرية المنافسة بين منتجي النوع الواحد من السلع وبالتالي تحدث فوائض الانتاج والإغراق التي تجعل الأسواق بحاجة للتصريف كيفما اتفق مما يحدث معه انهيار الأسعار بفعل كثافة العرض وضعف الطلب. 

بدأت الدول في التعافي من تلك الأزمة في أوقات متفاوتة ومتقاربة لكنها أنتجت كذلك تباينات ومواقف واستقطابات سياسية ومحاور عسكرية أدت بالتالي لاندلاع الحرب العالمية الثانية. 

ورغم أنّ الازمة المالية العالمية في الثلاثينيات كانت وليدة تعقيدات أسواق الأسهم والبورصات لكنها أثرت مباشرة نهاية الأمر على متوسط دخل الفرد بفعل تجميد النشاط الصناعي والتجاري والزراعي وغيرها، وهو ما يتكرر من جديد بفعل أزمة كورونا الحالية التي أستولدت واقعاً اقتصاديا مازوماً كذلك يحمل ذات ملامح الازمة الكبرى في مطالع القرن الماضي. ولأنّ الشئ بالشئ فقد صدر في لندن في العام 1956 كتاب البشر ضد القتلة (Mankind Against the Killers) للمؤلف جيمس هيمينغ (James Hemming)، وفيه استعرض مخاطر الجراثيم والفيروسات ضد الجنس البشري واستعرض المعارك الطويلة التي خاضها الإنسان في سبيل انتصاره على القتلة وما يسببونه من أمراض للبشرية وما يتعلق بذلك من الفاقد الاقتصادي وقد خصص جزئية كبيرة من مؤلفه للفيروسات واستعرض مخاطر فيروس الانفلونزا (Flu)وكان بعبعاً للبشرية وقتها بحسب المؤلف، خلاصة الأمر ان معارك البشرية لن تتوقف ضد القتلة منذ فيروس فلو إلى فيروس كورونا، غير أنّ الكتاب يلفت نظرنا منذ وقت باكر أنّ الحروب ليست وحدها هي التي تفسد اقتصادات العالم الفيروسات أيضاً كفيلة بإحداث ذلك. 

وكذا فالتاريخ يعيد نفسه بفعل ازمة فيروس كورونا، التي بدأت صحية في مدينة صغيرة أقاصي الأرض ثم تفاقمت مضاعفاتها الصحية لتصبح اقتصادية ومالية متشابكة بفعل الإغلاق الكبير الذي شهدته البلدان خوفاً من انتشار المرض، وبالتالي تأثرت قطاعات كبيرة بهذا الإغلاق حيت تعطلت الكثير من المنشآت بسبب البقاء في المنازل احترازاً واحتراساً من الإصابة بالمرض وبالتالي تباطأتْ رويداً رويداً حركة دوران الاقتصاد العالمي الكلي إلى أن انهارت أسعار النفط الأمريكي بطريقة دراماتيكية مثيرة لم تحدث في بورصات النفط مثلتْ أولى ضحايا أزمة كورونا المتطاولة. 

وفي ظل حالة عدم التأكُّد الحالية ستبقى الأمور مشوبة بالضبابية والمخاطر خصوصاً للمستثمرين الباحثين عن ملاذات آمنة فكثير من الملاذات التي يظنها المستثمرون أنها ستكون آمنة يمكن أن يختبئ خلفها عنصر المفاجأة وتتعرض للتقلبات وتعرض أصحابها للخسائر. 

العديد من القطاعات موعودة بالمزيد من الانهيارات الدراماتيكية وليس النفط الأمريكي وحده وفي مقدمتها شركات النقل والطيران الكبرى التي ستتكبد خسائر طائلة بفضل المكوث الطويل وراء الحدود وداخل المنازل وسيفقد معها الملايين جراء ذلك وظائفهم المتخصصة، وكذلك شركات الفندقة والسياحة والمطاعم ستتعرض لخسائر وخيمة وكذلك شركات الاستثمارات في خدمات التعليم والجامعات والكليات الخاصة وحتى أندية كرة القدم تقع على مرمى من الخسائر الفادحة. 

المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بل والأسواق الناشئة كذلك موعودة باهتزازات حادة في أدائها حيث ستضطر غالبية المنشآت لمغادرة النشاط خصوصاً التي تعاني من أعباء الاقتراض وستجد نفسها في دائرة جهنمية لمعاودة التشغيل والخروج من إلتزامات خدمة الديون ناهيك عن تحقيق فوائض وأرباح على المدى المتوسط والطويل أو ستجد أمامها الخيار الأصعب وربما الحتمي في مغادرة المجال بصفة نهائية تقذف بالملايين في أتون فقدان الوظائف. 

هنالك الأنشطة المحظوظة التي ستنال نصيباً وافراً من العوائد هي الشركات العاملة في تجارة المواد الغذائية بفضل سرعة دوران رؤوس الاموال خلال فترة البقاء الطويل الذي فرضته البلدان على المواطنين توقفت خلالها الكثير من الأعمال والواجبات والاهتمامات باستثناء الاكل والشرب والغذاء الذي ارتفعت معدلات الطلب عليه وستشهد شركات التجزئة الغذائية ازدهاراً غير مسبوق في مرحلة ما بعد أزمة كورونا، وتليها في مرتبة متقدمة كذلك الشركات العاملة في الاستثمارات الطبية ومصائب قوم عند قوم فوائد. 

على الرغم من أنّ التقارير الاحصائية تتطابق في أنّ أزمة كورونا العالمية أثرت على الاقتصاد الدولي على نحو غير مشهود إلا خلال أزمة الكساد الكبير في الثلاثينيات الماضية، لكن العالم اليوم ليس هو عالم الأمس، والوفورات والمقدرات المالية والاحتياطات النقدية الضخمة للبلدان اليوم ليست كما كانت قبل مائة عام من الآن، صحيح ستكون هنالك صعوبات مالية وخسائر، لكن العالم بمقدوره التعافي بوتيرة متسارعة بفضل ضخامة الرساميل وتنوعها وبفضل التقنيات المالية والإدارية واللوجستية التي باتت متاحة في عالم اليوم.
------------------------------
 بقلم/ د. محمد قسم الله محمد ابراهيم*
 [email protected]
*دكتوراه المحاسبة والتمويل · مراجع قانوني وأستاذ المحاسبة والمراجعة · كاتب وباحث مقيم بالمملكة العربية السعودية

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة05:11
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
20.5°C
توقعات الساعات القادمة
20.5°C
20.1°C
19.6°C
19.3°C
19.0°C
18.8°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي

"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...

د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس

أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...

حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه

السؤال:أشكركم على هذا الموقع‎.‎ ‏ سؤالي‎:‎‏ أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، ‏فقد مضت سنة على رسمي له، لك...

البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"

لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,063ج.م
عيار 21
6,180ج.م
عيار 18
5,297ج.م
الجنيه الذهب
49,440ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...