الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 18.9°C
رئيس التحرير مجدي شندي
آل كابوني وكعبُ آخيل

آل كابوني وكعبُ آخيل

في كتابه "تحول السلطة"، الصادر عام 1990، والذي قدمته الهيئة المصرية العامة للكتاب في نسخة ترجمتها السيدة لبنى الريدي، يرى المفكر الأمريكي ألفين توفلر أن الصراع الحقيقي عبر التاريخ لم يكن يوماً على الأرض أو الموارد أو المال، بل كان دائماً على شيء أعمق وأشد إغراءً يتمثل في القدرة على التأثير في الآخرين وتوجيه قراراتهم. ويرى أن هذه السلطة استندت في كل زمان إلى ثلاثة أعمدة؛ القوة التي تُخضِع بالخوف، والثروة التي تشتري الولاء، والمعرفة التي تتحكم في المعلومات وتوجّه العقول. وما التاريخ البشري في نظره إلا رحلة متواصلة لانتقال هذه الأعمدة بين أيدٍ مختلفة، من أصحاب السيوف إلى أصحاب الأموال إلى أصحاب البيانات والمعلومات.

ويشير مسار التاريخ إلى أن الهوس الإنساني بامتلاك السلطة لا يعترف دائماً بحدود القانون أو حواجز الأخلاق. فعبر الحضارات والعصور، لجأ أفراد وجماعات إلى بناء مراكز نفوذ موازية لسلطة الدولة، تعمل في الظل وتتغذى على ضعف المؤسسات أو فسادها. بعضهم فعل ذلك باسم الشعب، وبعضهم باسم المبدأ، وكثيرون فعلوه باسم المصلحة الخالصة. وفي جميع الأحوال كان الدافع واحداً؛ أن تكون أنت من يرسم القواعد لا من يخضع لها. 

في مدينة شيكاغو وخلال عشرينيات القرن الماضي، لم تكن السلطة تسكن دائماً في مكاتب الحكومة أو قاعات المحاكم. كانت هناك في غرف خلفية مظلمة وراء أبواب موصدة، في مطاعم ونوادٍ ليلية تفوح منها رائحة الخمر المهرَّب والدخان الثقيل، حيث يقبع رجل بدين الجثة واسع الابتسامة، له عينان واسعتان يظللهما حاجبان كثيفان، يُلقي بأمواله على الجيران والفقراء بسخاء لافت، يُدعى ألفونس كابوني، تعرفه شيكاغو كلها بلقب"آل كابوني"، وكانت معظم سكان المدينة يعرفون أن خلف ابتسامته الدافئة سلطة لا تُرى ولا تُلمس، لكنها كفيلة بردع من يفكر في عصيانها.

كان كابوني يمتلك ذكاءً حاداً في قراءة الناس وفهماً فطرياً لكيفية تحريك المصالح وبناء الولاءات. انتمى في شبابه إلى عصابات الحي، وسرعان ما لفت انتباه كبار زعماء الجريمة المنظمة الذين رأوا فيه مهارة تنظيمية نادرة وقدرة على التفكير بعيد المدى. تزامن انتقاله إلى شيكاغو في أوائل العشرينيات، مع صدور قانون حظر الكحول، فأدار إمبراطورية لتهريب الخمور، إلى جانب منظومة متكاملة للقمار وفرض الإتاوات ومحلات الترفيه غير المرخصة، أغدق المال على رجال الشرطة والقضاة والسياسيين المحليين، حتى تحوّل الفساد في يديه من ظاهرة عشوائية إلى نظام مُحكم. وهكذا جمع في قبضة واحدة الأعمدة الثلاثة التي تحدث عنها توفلر؛ قوة الرصاصة حين يحتاجها، وثروة المهرّب التي لا تجف، والمعرفة الدقيقة بأسرار كل من يملك القرار في المدينة.

تمددت هذه السلطة حتى باتت دولة داخل الدولة؛ لها قوانينها الخاصة، والويل كل الويل لمن يخالفها، تساندها شبكة اقتصادية صلبة. يلجأ إليه الكثيرون لحل نزاعاتهم، كان أسرع وأكثر حسماً من الطرق الرسمية. 

لسنوات طويلة ارتطمت سلطة القانون بجدار نفوذه دون أن تُحدث فيه شقاً؛ شهود يختفون، وأدلة تتبخر، ومحامون بارعون يُحوّلون كل اتهام إلى سراب. بدا وكأن إمبراطوريته تأسست لتدوم، وتظل فوق الجميع، لا شرطة، ولا قضاء، ولا أي قوة أخرى تهددها. 

وعندما وجدت الدولة أنها عاجزة عن إسقاطه من فوق برج إمبراطوريته، قررت أن تبحث تحت قدميه؛ تتبّع المحققون الفيدراليون الأموال الواردة إليه والصادرة منه بصبر شديد، ورصدوا الإنفاق ووثّقوه دفتراً دفتراً وصفقةً صفقة، وبنوا قضيتهم على مبدأ بسيط من حيث الفكرة، ناجع من حيث البرهان؛ مفاده أن من يُنفق هذه الأموال عليه أن يُثبت مصدرها، وأن يدفع ما تستحقه الحكومة منه.

في عام 1931 وقف كابوني أمام المحكمة لا بتهمة القتل ولا التهريب ولا الابتزاز، بل بتهمة التهرب الضريبي. الرجل الذي أرعب مدينة بأكملها وحوّل الفساد إلى نظام سقط في النهاية أمام قلم محاسب حكومي لا أمام رصاصة منافس. أُدين وحُكم عليه بالسجن، وتداعت إمبراطوريته من الداخل كما تتداعى قصور الرمل على الشاطئ، حين يداهمها الموج.

ولعلك سيدي القارئ تجد ثمة تشابه بين أحداث قصة آل كابوني، وآخرين في مناطق مختلفة من العالم، وربما حيث تقيم، تواترت على مدار عقود من الزمن، فتواترت على ذهنك صور مختلفة لهذا وذاك. بل إني لأكاد أُجزم أنك بت مقتنعًا بأسباب دراسة مثل هذه الحالات في بعض المؤسسات الأكاديمية المتخصصة، لتكون درسًا يؤكد على أن السلطة غير المشروعة، مهما عظمت وتمددت، تحمل في طياتها أسباب ضعفها، وتترك خلفها أثراً يدلُ عليها، ويكون سببًا في انهيارها، تمامًا كما كان كعبا آخيل، نقطتي ضعفه.
-----------------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:16
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
18.9°C
توقعات الساعات القادمة
18.9°C
20.4°C
22.9°C
25.4°C
27.4°C
29.0°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
مهام البناء على المتاح

من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...

في الجزء الثاني من حوار مطول.. مدحت الزاهد: قتل السياسة يفضي إلى انفجار

- الحياة السياسية، بعد أن تعرضت لحالة خنق، أشبه بعربة غرست فى الوحل.- مجتمع الصوت الواحد الذي يدار ب...

البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي

خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...

في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)

تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...